وأنا أقرأ الحوار الأخير للأستاذ أحمد جبرون على أحد المواقع الإلكترونية المغربية، استوقفتني فكرة مهمة أجدني أتقاسم معه مضامينها المجددة؛ وأعني، بالضبط، تأكيده أن المغرب، من خلال استحقاق السابع من أكتوبر، لا يعيش حالة ديمقراطية عادية وسليمة، وأننا بصدد انتقال ديمقراطي، ولسنا في حالة ديمقراطية تامة. وبناء عليه، يتعين على الحزب المتصدر لنتائج الانتخابات التطابق مع إستراتيجية الدولة المغربية في بناء الديمقراطية..

في البداية، أود أن أعبر عن اتفاقي مع الكاتب في جزء كبير من تحليليه للوضع السياسي ببلادنا. وأقر بمصداقية التحليل الذي يقوم على قراءة ''طبيعة الأشياء" في مشهدنا السياسي الوطني، وليس على مجاراة النوايا والرغبات التي تتحكم في تصورات هذا التيار الحزبي أو ذاك.

ما استرعى انتباهي في تحليل الأستاذ جبرون هو النظر إلى الأمور من زاوية "طبيعة الأشياء"؛ وأعتقد أن هذه الزاوية المتشبعة بالروح الماكيافيلية هي التي أسعفته لوضع ما اصطلح عليه في القاموس السياسي المغربي بـ"التحكم" في سياقه التاريخي منذ الاستقلال إلى اليوم. وبطبيعة الحال، فـ"قصة" الديمقراطية في بلادنا لا يمكن الإحاطة بها دون الرجوع إلى التناقضات الداخلية التي تتعايش داخل فصولها. ولسنا في حاجة إلى سرد المآسي والمذابح الشنيعة التي ارتكبت باسم الديمقراطية في حق الديمقراطية ذاتها، حتى في القارة الأوروبية التي شهدت ولادة هذه الفكرة في تدبير الشؤون السياسية للمجتمعات البشرية.

لا شك أن الجميع يتذكر النقاش العميق والواسع الذي واكب ولادة دستور سنة 2011 ببلادنا؛ والذي دفع بالبعض، رغم عدم اتفاقي معهم، إلى القول إن هذه الوثيقة سابقة لأوانها؛ بالنظر إلى الشروط الموضوعية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمغرب. وكأن الولادة القيصرية للدستور التي استدعتها التحولات السياسية المتسارعة بالمحيط الإقليمي والدولي للمغرب، في ما سمي تجاوزا "الربيع العربي" (مع التحفظ عل كلمتي "ربيع" و"عربي")، لم تراع "طبيعة" تطور ما يسميه الأستاذ جبرون "البنية التحتية للديمقراطية"؛ إذ إن إكراهات هذا "الربيع" دفعت، ومن الخلف، الديمقراطية دفعاُ، وسط حقول من التناقضات الاقتصادية والألغام الاجتماعية والبنيات الثقافية والفكرية المتناقضة، وفي إطار مناخ عام تتقاذفه إيقاعات تنموية متفاوتة السرعة وفوارق اجتماعية صارخة.

من الطبيعي أن تفرز ما يسميه الكاتب "البنية التحتية للديمقراطية" في المغرب، في سياق الشروط الموضوعية الراهنة، ديمقراطية تشبه هذه البنية. والوثيقة الدستورية، في صيغتها المتقدمة عن الواقع الذي أفرزها كما أسلفنا، ترسم، في نظري، أفقا أوسع ومتقدما عن طبيعة الواقع المعطى حاليا؛ علما أن أفق الديمقراطية في هذه الوثيقة أضيق من أفق الديمقراطية في التجارب العريقة عبر العالم. فالمسافة التي تفصلنا عما يسميه الأستاذ جبرون "الديمقراطية التامة" أو المكتملة، تترجم طبيعة النظام السياسي ببلادنا الذي يعتمد على التدرج والانتقال بين المراحل التي تفضي، عبر السيرورة التاريخية، إلى رسم نموذج يلائم شروط وخصوصيات الواقع. ولذلك تجدنا أحيانا مضطرين، حماية للأفق الديمقراطي المنشود، إلى التنازل عن جرعات من الديمقراطية من أجل التعايش المشترك بين تناقضات الواقع السياسي. وبذلك تظل الديمقراطية، وباستعارة توصيف هابرماس للحداثة، مشروعا غير مكتمل، ويحتاج، على الدوام، إلى مجهودات تقوم على الإبداع والابتكار، لتقليص المسافة بين الأفق الرحب والواقع المقيد.

وهكذا، يبدو لي أن الحزب المتصدر عدديا لنتائج استحقاقات سابع أكتوبر، في ادعائه مواجهة "التحكم" في شخص حزب الأصالة والمعاصرة، فهو يواجه "طبيعة" الأشياء التي تميز الحياة السياسية ببلادنا.. وعدم إقراره بالمسافة الحقيقية الفاصلة بين "الديمقراطية التامة" و"الديمقراطية الانتقالية والمتدرجة"، هو إقرار بعجزه عن إدراك منطق الأشياء الذي يتطلب الحفاظ على السير الطبيعي للمسار الديمقراطي في المغرب. مواجهة التحكم، باعتباره بنية راسخة للدولة كما يقول الأستاذ جبرون، من أجل حماية الديمقراطية، كما يدعي الحزب الأغلبي، هي مغامرة تعاكس رغبة الشعب المغربي في نموذج ديمقراطي يلائم خصوصيات دولته، ويراعي إيقاع الخطوات الثابتة التي تناسب مسارات تطوره وتقدمه.

(تفاعلا مع حوار الدكتور أحمد جبرون)