على رغم أن الاستبداد فعل قوة يهدف إلى إرغام الجماهير على الانصياع إلى سلطة قاهرة تتجاوز في ممارساتها أطر الشرعية العقلانية والقانونية كافة، إلا أن الاستبداد كظاهرة سياسية قد تكرَّس في مراحل عدة من تاريخ البشرية عندما تحوَّل بفعل الخطاب السلطوي المضلل إلى أيديولوجيا كلية وشاملة تستبطن كذباً الوعي التاريخي الزائف لجماعات إنسانية تمر بمراحل انحطاط بعد ما قامت السلطة نفسها بتزييفه عبر عملية ممنهجة.

فهناك مرتكز أخلاقي/ اجتماعي دائماً ما يركن إليه الاستبداد كجزء أصيل من شرعيته السياسية التي تبرر وجوده وتمرر تجاوزاته الفجة تجاه الجماهير؛ ألا وهو انحطاطها الفكري والأخلاقي الذي يعني أولاً عدم أهلية تلك الجماهير لاختيار من يحكمها اختياراً عقلانياً حراً.

ويعني ثانياً إمكان تحول الحرية الديموقراطية، إذا ارتفع سقفها، إلى فوضى تهدم المجتمعات وتدمر الدول. لذلك لم يكن غريباً أن يكون هذا المرتكز بمثابة بند تأسيسي في أغلب النظريات والطروحات التي تبنَّت فكرة إقصاء الجماهير عن المشهد السياسي لحساب سلطة ديكتاتورية وحاكم مستبد. فالفلسفة اليونانية قدَّمت عبر فيلسوفها الأبرز أفلاطون أول نموذج يصِمُ الجماهير بالانحطاط الأخلاقي.

فالبشر أنانيون يتهافتون على الملذات الحسية لإشباع نزواتهم، ولهذا يجب إخضاعهم لحكومة تقدم الخير للجميع يترأسها فلاسفة وحكماء مؤهلون لقيادة المجتمع وتربية أبنائه على معنى الشرف. وهو المنطق تلقفه فيلسوف عصر النهضة الإيطالي الأشهر نيقولا مكيافيللي لتبرير الاستبداد، فالأمن والاستقرار السياسي يتطلبان حاكماً له قلب أسد ودهاء ثعلب، نظراً إلى أن الإنسان مخلوق أناني ودنيء لا تخضعه إلا القوة والحيلة، وفق ما أشار في كتابه «الأمير». وعلى رغم الطابع العلماني الصِرف لطرح مكيافيللي، فمضمونه الأساسي استُخدم أيضاً لتكريس مبدأ الحق الإلهي للملوك في الحكم المطلق، الذي برره الفيلسوف الإنكليزي الشهير توماس هوبز، انطلاقاً من فطرة الإنسان الأنانية الشريرة. فالناس لو تُركوا على فطرتهم لعاشوا وفق شريعة الغاب وانعدم الأمن وسادت الفوضى. ولهذا كان لا بد للناس من أن يفوضوا أمرهم إلى ملك قوي حازم يقيم العدل فيهم ويحميهم من شرور أنفسهم ولا يُسأل عما يفعل إلا أمام ضميره وتجاه الرب.

ولعلَّ الاستدعاء العربي الفكري الأبرز لتلك الأطروحة، تمثَّل في مقالة الإمام محمد عبده التي نشرها أواخر القرن التاسع عشر عن المستبد العادل الذي يربي الأمة أولاً قبل أن تأتيها مبادئ الديموقراطية الغربية كغزوة حضارية وافدة مُحمَّلة بأخلاقيات الغرب المنحلة، والتي يمكن أن تفسد الجماهير في البلاد المسلمة.

ولذلك، فموجة الكراهية الجارفة للديموقراطية التي علَت في أعقاب الربيع العربي كمكوِّن من المكونات الأساسية لخطاب الثورة المضادة، بنيت على هذه العلاقة العليَّة بين الاستبداد والانحطاط الأخلاقي وما يترتب عليه من فوضى مدمرة. إلا أن الإشكالية الأساسية في طبيعة تلك العلاقة تكمن في أيهما السبب وأيهما الأثر.

فكما أشرتُ آنفاً، فإن السلطة المستبدة تضلل الجماهير بطرح ذاتها باعتبارها أثراً لحالة انحطاط أخلاقي راسخة ومتجذرة في المجتمع، ومن ثم فإن وجودها يعكس معادلة تاريخية وأيديولوجية شاملة تتجاوز حدود سلطتها الضيقة مستبطنة حالة الوعى الجماهيري العام. ومن ثم، فهي تستمد شرعيتها سياسياً وأخلاقياً باعتبارها مُحصلة نهائية لواقع متردٍ قائم بالفعل.

إلا أن العكس هو الصحيح، فالسلطة المستبدة كانت ولا تزال سبباً لأشكال الانحطاط الأخلاقي كافة التي تعيشها المجتمعات التي ترزح تحت وطأة الاستبداد.

فإذا تأملنا حال الأمة العربية التي عانت عقوداً عدة من استبداد النظم العسكرية التقليدية التي تعبر عنها في نسختها الراهنة نُظمٌ كنظام الأسد وغيره، من النظم التي تَجري عملية إعادة إنتاجها في الدول العربية التي تعثَّرت فيها تجربة الديموقراطية الوليدة بعد الربيع العربي، سنجد أن ممارسات تلك النظم تؤكد صحة مقولة الفيلسوف البريطاني الشهير جون ستيوارت مل، بأن الأخلاق العامة لكل دولة تنبثق مما تراه الطبقات المهيمنة فيها معبِّراً عن مصالحها ومرسِّخاً لشعورها بسموها وسيادتها. ومن هنا، يمكن القول إن الاستبداد السياسي كان ولا يزال سبباً في أشكال الانحطاط الأخلاقي كافة، لا سيما وأن تلك النظم احتكرت لعقود عدة عملية التنشئة السياسية والأخلاقية للجماهير، إذ لم يكن مسموحاً الحديث في الأخلاق أو السياسة إلا لأبواقها وجَوقات نفاقها التي تردد دائماً ما يخدم السلطة انتظاراً لعطاياها، شأنها شأن غالبية النخب الثقافية العربية التي برَّرت الاستبداد وما زالت تبرره، سواء باسم مواجهة الاستعمار إبان الخمسينات والستينات، أو بفعل فوبيا الخوف المرضي من الفوضى، كما يحدث الآن. ومن ثم يمكن القول إجمالاً، إن النخبة السياسية والثقافية المدافعة عن الديكتاتورية والاستبداد حرصاً على الأخلاق وخوفاً من الفوضى، مطالَبة بالإجابة عن سؤال أعتبره سؤال اللحظة حضارياً وسياسياً، وهو: كيف يمكن تصور حال الغرب المتحضر الديموقراطي الآن إذا انتصر خطاب أفلاطون ومكيافيللي وهوبز، على خطاب قادة الحداثة والتنوير؟ وكيف أصبح حالنا نحن العرب أخلاقياً وسياسياً بعد عقود من الاستبداد والديكتاتورية؟