بديل ـ  شعيبلفريخ

تخليدا لليوم العالمي للصحافة الذي يصادف الثالث من شهر مايو من كل سنة ، نظمت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان ندوة فكرية وطنية تحت شعار: «لا إصلاح حقيقي بدون ضمان حرية الرأي والتعبير »، وذلك يوم الأحد الماضي بالدار البيضاء وذلك بمشاركة أساتذة باحثين وممارسين.

وقال الأستاذ محمد زهاري رئيس العصبة، أن تخليد اليوم العالمي لحرية الصحافة هو مناسبة مهمة للمنظمات والهيئات في العالم لتقييم مدى احترام حرية الرأي والتعبير، وأن تنظيم هذه الندوة جاء في سياق تحضير الدولة لإصدار مشروع جديد يتعلق بقانون الصحافة والنشر وهو ما سيضع حدا للاحتقان لولوج دولة الحق والقانون وبناء مجتمع حداثي تصان فيه كرامة المواطن وفق ما تطالب به المنظمات الحقوقية والجمعيات المهنية، وأن الخلاصات الصادرة عن هذه الندوة ستعتمدها العصبة فيما بعد في صياغة مواقفها بخصوص حرية الصحافة والرأي والتعبير. وتطرق الاستاذ محمد ريحان، المدير الجهوي لوزارة الاتصال بالدارالبيضاء، في مداخلته حول موضوع : «حرية الصحافة بالمغرب، المكتسبات والرهانات المستقبلية»، إلى بعض المنجزات المحققة في سنة 2013 والرهانات المطروحة، مبرزا أن الدستور الجديد يتضمن مبادئ متقدمة على مستوى حرية التعبير، وأن الحكومة الحالية تعتبر موضوع النهوض بحرية الصحافة وتطوير المقاولة الصحفية والأوضاع المهنية للصحافيين وتطوير قطاع الإشهار، من أولوياتها ، وبأن سنة 2014 ستكون سنة انعطاف لاستكمال أوراش الإصلاح في القطاع.

وقال المدير الجهوي لوزارة الاتصال، أن سنة 2013، عرفت تقدما ملموسا مقارنة مع سنة 2012، بحيث أنها لم تعرف أية مصادرة أو منع أو إغلاق لأية صحيفة وطنية أو الكترونية، وأن إغلاق موقع «لكم» الإلكتروني جاء على خلفية طلب محامي صاحب الموقع نفسه ، كما عرفت تراجعا في حالة التضييق على الصحافيين أثناء ممارسة عملهم ، حيث انتقل من 20 حالة في سنة 2012 إلى 14 حالة في سنة 2013 ، وأنه لم يتعرض خلالها أي صحافي للقتل أو السجن بدون محاكمة . وأوضح المدير الجهوي ، أنه في إطار تنزيل أحكام الفصل 27 من الدستور وتنفيد التزامات المغرب الدولية ، خاصة المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، تم التحضير لمشروع مدونة جديدة للصحافة والنشر تكون خالية من العقوبات السالبة مع توسيع ضمانات ممارسة الصحافة ، بحيث أنه تم إدخال أزيد من 100 ملاحظة وتعديل على النصوص التشريعية التي تخص مشروع قانون الصحافة والنشر وكذا مشروعي قانون الصحافي المهني والمجلس الوطني للصحافة .

وبخصوص الصحافة الالكترونية والمكتوبة، أشار مندوب وزارة الاتصال ، أنه بعد اللقاء الدراسي مع ممثلي الصحافة الالكترونية في شهر مارس 2012 ، تم في شهر أبريل 2014 تقديم الكتاب الأبيض المتضمن ل 118 توصية للنهوض بالصحافة الالكترونية، وأنه تم إقرار عقد برنامج جديد وشفاف وتعددي بشأن الصحافة المكتوبة وتعزيز الحق في الوصول إلى المعلومة, وحول قطاع الإعلام العمومي السمعي البصري ووكالة المغرب العربي للأنباء، أوضح مندوب وزارة الاتصال، بأنه تم تعزيز الحكامة والشفافية من خلال إقرار دفتر تحملات بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، وتقوية التعددية السياسية واللغوية في الإعلام فضلا عن تطوير إعلام وكالة المغرب العربي للأنباء وترسيخ الانفتاح الإعلامي على الخارج. وتطرق الأستاذ الجامعي،محمد بريان الوزاني في موضوع: «وسائل الإعلام والديمقراطية»، إلى بعض التجارب الدولية، وأهمية الإعلام على المستوى الدولي في تشكيل الرأي العام، وأن الصحافة شكلت وسيلة للاحتجاج السياسي، وأن ظهور الانترنيت في القرن 21 مكن من نشر الديمقراطية وتقريب الطبقة السياسية من المواطنين، كما مكن الانترنيت من تحقيق ديمقراطية الإعلام الذي أصبح في متناول الجميع ، وأنه فتح باب المعلومة والنقاش، وأكد على أن الإعلام ليس خطرا على الديمقراطية، باعتبار أن الديمقراطية تستدعي الشفافية المطلقة، لكن في إطار احترام الحميمية والعلاقات الخاصة، وأن التمركز المالي قد يشوه استقلالية وسائل الإعلام ، كما أن التعددية لا تنسجم بالضرورة مع تعدد الآراء، وأنه لا ينبغي الخلط بين الإعلام والواقع. وفي موضوع: «مرتكزات حرية الصحافة وحدودها بالمغرب»، تطرق الأستاذ الجامعي عبد الحفيظ أدمينو، إلى المرتكزات الأساسية التي تحكم حرية الصحافة في المغرب، والحدود التي يطرحها القانون الحالي في الممارسة الصحافية، موضحا أن حرية الصحافة هي حرية أساسية، تعكس جانب المبادرة وجزء من حرية المشاركة التي تضمن للمواطنين اختيار الحاكمين من خلال دورها في خلق رأي عام، هذا الدور الذي يخلق اليوم إشكالات ، مبينا أن المغرب ملزم باحترام الفصل 28 من الدستور الذي يؤكد على أن حرية الصحافة هي حرية مضمونة ولا ينبغي تقييدها بقوانين أخرى .

وفي تحليله للمبادئ التي تحكم حرية الصحافة في القانون الحالي لقانون الصحافة والجمعيات من خلال الفصل الخامس ، أشار إلى أن هناك مجموعة من البيانات توصل في نهاية الأمر إلى هيمنة السلطة الإدارية في مقابل نقص لسلطة القضاء ، وهو مايعتبر مساسا بالاستقلالية عن الدولة ومضرا بحرية الصحافة، مطالبا بضرورة مراجعة ذلك لصالح تعزيز دور القضاء والنقص من التدخلات الإدارية، مع عدم احتكار أية وسيلة إعلامية للمشهد الإعلامي والإخلال بمبدأ التعددية الذي يضمنه الفصل 28 من دستور سنة 2011 ، مستدلا على ذلك بخلاصة الدراسة التي قام بها مجلس المنافسة في سنة 2013 بشأن احتكار الاعلام السمعي البصري العمومي ، وكذا بقرار المجلس الدستوري الفرنسي لسنة 1984 بشأن مبدأ تعددية المنابر السياسية.

كما تطرق الأستاذ أدمينو، إلى بنية النص القانوني الحالي الذي يحتوي بنسبة 48 في المائة منه على العقوبات الزجرية والغرامات، وهو الشيء الذي ينبغي مراجعته وتدقيقه وإعادة النظر في مبالغ الغرامات، والعقوبات الحبسية واعتماد آلية الصلح المعمول بها دوليا، وذلك إلى جانب تعزيز مبدأ الشفافية وعدم تحول دعم الدولة إلى وسيلة لرهن الاستقلالية، وضرورة وضع إطار تشريعي للصحافة الالكترونية. واعتبر الأستاذ عبد العزيز النويضي، المحامي بهيئة الرباط، في مداخلته حول «إشكالية إلغاء العقوبات السالبة للحرية»، أن العقوبات السالبة ليست هي المشكل في حد ذاته، بقدر ما أن المشكل يكمن في القضاء غير المستقل، خاصة في القضايا ذات الأبعاد السياسية، مبرزا أن حرية الصحافة والإعلام هي أساسية لبناء مجتمع ديمقراطي تعددي، لكن الاستبداد لا يسمح بالتعددية لأن الإعلام هو وسيلة من وسائل السلطة .

وأوضح الأستاذ النويضي أن موضوع حرية الصحافة هو موضوع متعدد الأبعاد، يتضمن الحق في التعبير عن الآراء واستقبالها، والحق في الوصول إلى المعلومة ، كل ذلك متضمن في الفصل 27 من الدستور، لكنه يحتاج إلى قانون تنظيمي يسهل طلب المعلومات، وأن تضمن هيئة مستقلة الإشراف مع إلزام المؤسسات العمومية والإدارات بإحداث مواقع الكترونية خاصة بها.

وبخصوص البعد الآخر لحرية الرأي والتعبير، أشار نفس المتدخل إلى تعارضه مع حقوق أخرى، تهم حماية مصالح مشروعة عامة أو خاصة، مثل القذف و غيره، فقانون الصحافة هو قانون للنشر، وليس بقانون جنائي، مما يتوجب أن تكون جرائم النشر منصوصا عليها في قانون الصحافة نفسه، كما يتوجب، إزالة بعض العبارات مثل: « ما يكون من شأنها « أو « الشؤون العامة « والتدقيق في العبارات التي يتضمنها قانون الصحافة الحالي مع إزالة اللبس والغموض عن طريق صياغة واضحة ودقيقة حتى يكون الأمر واضحا أمام القاضي الملزم بتطبيق النص ، موضحا ، أن السلطة كانت تلجأ في الماضي إلى استعمال القانون الجنائي في قضايا ما سمي بالمقدسات وتهم القدف ونشر الأخبار الزائفة والإشادة بالإرهاب، مطالبا بعدم استعمال القضاء لصالح السلطة السياسية، وباستعمال أخلاقيات المهنة من طرف الصحافيين لتجنب السقوط في جرائم النشر .

وفي مداخلة رئيس المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف والمحامي بهيئة الدار البيضاء الأستاذ مصطفى المانوزي، حول موضوع: «حرية التعبير والحق في التقدير: الإشكالات والرهانات»، شدد على ضرورة حماية حرية الصحافة والتعبير مع الحفاظ على الردع لحماية الحقوق في غياب أخلاقيات المهنة ، وذلك في إطار مبادئ: الحماية _ الردع _ الديمقراطية ، كما تطرق إلى العنصر التاريخي وتأثير ما هو سياسي على اعتماد قوانين الحريات العامة منذ 1958 مرورا بتعديلات سنة 1973التي مالت إلى التحكم الإداري والترخيص عوض مبدأ التصريح الذي هو الأصل في ظهير الحريات العامة، لكنه اعتبرا أن دستور 2011 هو مكسب للمجتمع المغربي، من حيث ضمان الحريات، جاء به حراك 20 فبراير، هذا الحراك الذي دعمته وأعطته بعده ألمطلبي منذ انطلاقته، العديد من المنظمات والجمعيات الحقوقية التي عقدت اجتماعها آنذاك بمقر هيئة المحامين بالرباط، وطالب رئيس المنتدى بضرورة النضال من أجل ملائمة القوانين الداخلية مع المعايير الدولية لضمان حماية أكبر للحريات، مبرزا أن القضاة المغاربة الذين يباشرون ملفات الحريات العامة في حاجة إلى توسيع تكوينهم المقتصر على القانون الخاص، إلى القانون الدولي والقانون العام.

وفي موضوع _»حرية الإعلام بالمغرب بين الخطاب والواقع» قال محمد العوني رئيس منظمة حرية الإعلام والتعبير، أن أحد إشكالات الواقع المغربي تكمن في انفصام الخطاب عن الممارسة، ووجود خطابات عالية مع ممارسة تنحو نحو الأسفل والدونية، بحيث أن خلاصات المناظرة الوطنية حول الإعلام المنعقدة بمبادرة من وزارة الداخلية والإعلام سنة 1993 مازالت مستمرة إلى الآن، وأن مبادرة الحوار الوطني بين الإعلام والمجتمع سنة 2011 جاءت لمعالجة الإشكالية التي كانت مطروحة من قبل . ووصف ذ . العوني التقرير الأخير لوزارة الاتصال حول حرية الصحافة بالخلاصة الظاهرية التي تقول بالعام زين ، مطالبا باعتماد مدونة شاملة للصحافة والإعلام تتضمن جميع القوانين بما في ذلك العقوبات الحبسية، وبتحرير الإعلام العمومي السمعي البصري الممول من المال العام ، وأن المجتمع له مسؤوليته في إصلاح الإعلام الذي هو سلطة حقيقية، من خلال التكتل لصياغة مقبولة في معركة التشريع، كما أن الدولة لها مسؤولية كبرى، خاصة بوجود وزير منتخب، وأن قضية الصحافي أنوزلا نموذج أساسي للوضعية التي يعرفها الإعلام، والتي تتسم بضرب الدولة للصحافيين والمجتمع وضرب نفسها وقتل الإعلام في نهاية المطاف وجعل المواطن يهرب نحو الفضائيات الأجنبية والانترنيت.

والجدير بالذكر، أن هذه الندوة عرفت مشاركة تفاعلية لمختلف المهتمين الحاضرين، والذين أجمعوا على ضرورة الإصلاح بدون إبطاء لقطاع حرية الإعلام والصحافة من خلال تنزيل دستور 2011 ،وإقرار مدونة شاملة لقطاع الصحافة والإعلام مستمدة من روح الدستور والمواثيق والقوانين الدولية التي التزم بها المغرب ..