لحسن عدنـــــــــان

بئيسة هي أحوال العرب إلى حد لا يصدق . حين قيام ما سمي دولة "إسرائيل" لم يقبلوا الفكرة من أساسها. قاوموا ببعض ما أوتوا ، وساندوا الفلسطينيين في مقاومتهم ضد العصابات الصهيونية.
لكن بدأ الوهن يتسلل للنفوس مع مرور الوقت، شيئا فشيئا أصبحت كل معركة ضد "إسرائيل" معروفة النتائج سلفا، بحيث يكون النصر دوما حليف الكيان اللقيط. مرة ينتصرون في ساعات، ومرة في بضعة أيام..ولكن في كل الأحوال، النصر محسوم لصالحهم، ولا يبتغون عنه بديلا.
فتشكلت تلك القناعة /الفقاعة : جيش "إسرائيل" الذي لا يقهر. والحقيقة، أنهم صادقون، وهم يعتبرون أنهم دوما في مواجهة مع جيوش نظامية عربية جنرالاتها وقادتها متخصصون في "تربية الدجاج" فأصبحوا أشبه ما يكون بدجاج يخاف من كل شيء حوله.
وأصبح من حق "إسرائيل" أن تصول وتجول في السماء العربية، تقصف أهدافها، وتقتل من يعارضها، بدم بارد .فعلوا ذلك في تونس، وفي لبنان، وفي السودان، وفي بلدان أخرى، وربما ما خفي أعظم.
ولم تعد الدول العربية مجتمعة قادرة حتى على إبداء "سوء النية" ضد "إسرائل".أصبح هناك "فيتو" نفسي يمنع المسؤولين العرب من مجرد التفكير في الإساءة، ولو بتصريح دبلوماسي، لهدا الكيان الغريب. أصبح تسلط الصهاينة موضوعة (Postulat) لا نقاش حولها.بحيث لو سألت كل حاكم عربي، أكيد سيكون جوابه، في لحظة الصدق: هو الأمر هكذا ..ولا مفر منه.
وأقصى ما كان ترد به أنظمة الممانعة والمقاومة، عقب كل قصف أو انتهاك للسيادة أو قتل للأبرياء : " إننا لن نسمح لهم بجرنا للمعركة، نحن سنرد في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب"
لكن لم يحن الوقت المناسب أبدا، والمكان ضاق على المعارضين من أبناء الوطن وحدهم،فقـُـتلوا ..وهُجروا ...وأصبح دمهم مستباحا.
لكن الأمم لا تموت ،ودائما هناك أحياء يُبعثون من بين الجثث المتعفنة، ومن تحت أنقاض ركام السنين والقرون، لكي يقولوا كلمتهم..
لقد كان هذا الدور الكبير والتاريخي من نصيب المقاومة الفلسطينية ، مجسدا في حماس والجهاد الإسلامي خاصة. وكان للمقاومة اللبنانية ، ممثلة في حزب الله نفس الدور أيضا، ساعدها في ذلك أكثر المجال الجغرافي المفتوح ودعم سوريا وإيران بغير حساب.
الآن، ولظروف المنطقة الخاصة، تبقى المقاومة الفلسطينية وحدها تقوم بدورها التاريخي، في ظروف صعبة جدا. ودون تضخيم لدور هذه المقاومة، أو تعظيم في غير محله، نقول بكل حياد : " سيكتب التاريخ، وتسجل الأحداث، أنها أعظم مقاومة في تاريخ البشرية. والسبب أن جل دول العالم بما فيه القوى الكبرى، تدعم "إسرائيل" وتؤشر على ظلمها. وجل الدول التي كان المفروض فيها مساندة المقاومة الفلسطينية ، لم تعد تكتفي بدور الحياد...بل تساند اليوم الكيان الصهيوني بشكل من الأشكال. ومصر هي النموذج الحي لما نقول، فهي تخنق غزة بحصار رهيب لا مثيل له في تاريخ البشرية، وفي الوقت نفسه تدعم "إسرائيل" بكل ما تستطيع، غــاز رخيص، ومظلة سياسية، والحدود مفتوحة لكل إسرائيلي تزعجه صفارات الإنذار حيث يجد في "أم الدنيا" ملجأ وقلبا رحيما "
هي تغيرات تاريخية دراماتيكية عرفتها منطقتنا العربية، وليس مستبعدا أبدا أن يدخل الجيش المصري في معركة عسكرية ضد قطاع غزة لشد عضد نظيره الإسرائيلي. قد يبدو الأمر مستغربا الآن، لكن من كان يتخيل حتى في أسوإ كوابيسه أن يلجأ النظام يوما في مصر لفرض مثل هذا الحصار على القطاع ؟ من كان يتخيل أن يُصبح خير أجناد الأرض كلاب حراسة على الحدود مع غزة يرقبون كل واردة وشاردة؟ من كان يتصور أن الجيش الذي حطم يوما خط بارليف ، هو الجيش الذي يكتفي اليوم بتحطيم وتهديم الأنفاق التي هي بمثابة شرايين حياة لكيلا تتوقف الحياة في غزة ؟
كل الذي تقوم به مصر اليوم، وكل ما يقوم به جيشها تجاه غزة شعبا ومقاومة وحيزا جغرافيا، لا يوجد من توصيف له إلا كونه جرائم حرب تابثة الأركان. ولذلك ، فهي حرب حقيقة بوسائل أخرى، وليس من مانع كي يتورط هذا الجيش في حرب ضد القطاع ، لأن حاكم مصر اليوم، ليس له من دور يقوم به إلا محاربة كل ما هو "إخوان" أو له علاقة ما بالإخوان. وطبعا فإنه واجد في حماس ، العمود الفقري للمقاومة، كل مواصفات العدو الذي يتخيله.
أما لماذا لم يقدم الجيش المصري على خطوة مستفزة كهذه ، فأكيد هناك حسابات وتفاهمات لا يمكن أن نعرفها الآن. وتبقى حكمة قادة حماس والجهاد الإسلامي، وقدرتهم الكبيرة على توجيه المعركة، المانع الأكبر أمام كل مغامرة غير محسوبة يقدم عليها الجيش المصري. وبالطبع، فهذا جيش "أعمال وبيزنس وقمع داخلي" وليس جيش معارك، على الأقل منذ 1973 ، ولذلك فهم يعرفون أن مغامرة كهذه لن تكون مجرد نزهة في "شرم الشيخ".
أريد أن أقول، هناك دول عربية ، مصر هي الناطق بلسانها، لم تعد تقف عند جدود حمراء ولا بأي لون. وهذه الدول لن تعدم الذريعة والإعلام والمثقفين كي تبرر عدوانها وتكالبها على غزة حتى وهي في حصار رهيب وبشع ومتواصل. لأنه في غياب سياسات إستراتيجية، قائمة على النظرة الاستشرافية، وعمق الانتماء الحضاري والوعي التاريخي، تصبح السياسة خبط عشواء لا ناظم ولا رابط بين مقدماتها ومآلاتها.
وبعيدا عن التحليل السياسي، وقريبا من التحليل النفسي ، دون أن يكون لنا شرف التخصص، ولكن فقط هي إشارات عابرة، ربما يلتقطها المتخصصون كي يمحصوها أكثر. أقول : كثير من الأنظمة العربية، على هامش التاريخ، تعيش حالة من التقهقر والانحدار ، لدرجة أصبحت الهزائم في كل المجالات هي الحالة الطبيعية. بعض هذه الأنظمة، كانت تحاول دوما أن تتبوأ مراكز القيادة، وكانت لها صراعات مع أنظمة شقيقة. لكن تسارع الأحداث، أتبث بأنها لا تملك المقومات، وليس لدى قادتها "الكاريزما" كي تكون فعلا في مراكز قيادية. وهنا كان الركون، عن وعي أو غير وعي، لنفسية الهزيمة والرضا بما يفرضه الواقع والاستسلام دون أدنى مقاومة.
أصبحت الأرض العربية مستباحة لكل الغزاة، وأصبح المواطن العربي مجرد رقم لا قيمة له، تحل إهانته وتداس كرامته و ليس له من الحرية إلا ما تفصله على قده مخابرات بلده..
في ظل هذه الأوضاع يُصبح الربيع العربي ماردا جبارا تقاومه الأنظمة العربية بكل السبل، وتصبح المقاومة العربية صوتا غريبا لا قبل لهم بسماعه..
يريد هؤلاء الذين يمارسون دور الأبوة من مواقع الهزيمة أن يؤبدوا حالة الهزيمة ، خاصة بالنسبة لمن يتصورونهم دائما "عيالا صغارا" ليس لهم في محافلهم كلمة..
فأن تنتصر غزة ، أو تقاوم ، أو يصرخ أطفالها، أو ترفع نساؤها التحدي ... كل هذا لا يقبل به هؤلاء ..
فكيف وقد أصبحت غزة معقلا للمقاومة والتحدي وصنع البطولات العسكرية ضد عدو غاشم مدعوم من كل العالم تقريبا..
هنا لم يعد المهزومون قادرين على الصبر ولو إلى ما بعد انقشاع غبار المعارك..
فهم سيحكمون على غزة بالعقوق ..سيحرمونها "فتات" موائدهم.. لأنها فكرت أن تنتصر .. أن تطرد عنها عنوان الهزيمة..أن ترد الصاع صاعين للعدو الغاشم ..
غزة لم تفكر يوما أنه في نادي المنهزمين ، لا مكان للمنتصر ..أو حتى لمن يُمني نفسه بالانتصار ولو بعد حين ..
رغم كل الجراحات ، وكل الخراب والدمار، ورغم أعداد الشهداء ... غزة شقت طريقها نحو النصر بعيدا عن "عباءات آباء منهزمين" ، ولن يضيرها أنها كانت وحيدة، ولن يضيرها أن الهزيمة تمكنت من الجيوش والعروش والكروش ..لدرجة أصبحت هي العقيدة الجديدة لهم أجمعين.
فلكل انتصار ثمن ، وثمنه في غـــــــــــــزة غال جدا..