أعلنت الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة "العدل والإحسان"، يوم السبت 22 غشت مقاطعتها للإنتخابات الجماعات الترابية المزمع تنظيمها ابتداء من تاريخ 04 شتنبر، داعية الشعب المغربي وكل القوى السياسية والمدنية الحية إلى مقاطعة هذه الانتخابات، بسبب ما أسمته "فساد أساسها الدستوري والسياسي وشكلية مؤسساتها المنتخبة واستبداد آلياتها القانونية والتنظيمية".

وكشفت الجماعة ضمن بيان لها، العديد من النقاط والأسباب التي دفعتها إلى إعلان خيار المقاطعة، من ضمنها، اعتبارها أن الدستور الجديد "يجسد الاستبداد نصا وفعلا"مؤكدة "أن الدستور المغربي لا يزال يشرعن للحكم الفردي والإفلات من المحاسبة والعقاب ويعامل الشعب المغربي معاملة القاصر غير القادر على تحمل المسؤولية".

وأضاف بيان الجماعة الإسلامية الأكبر في المغرب أن "الأخير تبنى منذ عقود "نظام اللامركزية"، ولكنه للأسف ظل شكليا بسبب الوصاية المتشددة والمراقبة المبالغ فيها التي تعكس غياب الثقة والخوف من إرادة الشعب، وتجرد نظام اللامركزية والمؤسسات المنتخبة من جدوى وجودها، وتجعلها تابعة للأجهزة المركزية، مما يجعلنا فعليا أمام نظام مركزي تتحكم في كل مخرجاته هيئات غير منتخبة". مضيفا ذات البيان "وللأسف، لم تنفع الفلسفة التشريعية وكل التعديلات القانونية، بما فيها تعديلات 2015، في التخلص من نظام الوصاية والمراقبة التي تكبل عمل المجالس المنتخبة، وتجعلها تحت رحمة سلطة الوصاية الإدارية لوزارة الداخلية من خلال الاستمرار في إسناد صلاحيات واسعة لممثلي السلطة (الوالي أو العامل أو من ينوب عنهما) على حساب المنتخبين الذين يفترض فيهم تمثيل المواطنين".

ومما يسهل عملية التحكم -يضيف بيان الجماعة المنشور على موقعها الرسمي- "تضخم عدد الجماعات ومعايير إنشائها غير الموضوعية، وعدم ملاءمة تقسيمها مع توزيع السكان، وإخضاع تقسيمها لاعتبارات أمنية بغاية التحكم والضبط، أو لاعتبارات فئوية غايتها تمكين بعض الوجهاء والنخب من إقطاعيات بهدف شرائها أو إسكاتها أو ضمان ولائها، أو لاعتبارات هدفها إدماج قبائل في أخرى لتشجيع التطاحنات خاصة فيما يرتبط بالترشيحات. كما يسهل تحكمَ السلطة المركزية في هذه المؤسسات المنتخبة ضعفُ الإمكانيات المتاحة مقارنة مع انتظارات كبيرة وآمال كثيرة يطمح إلى تحقيقها الشعب بمختلف فئاته. ولذلك فجل الجماعات المحلية عاجزة عن تلبية حاجيات السكان، بل إن عددا منها عاجز عن أداء واجبات المستخدمين. ورغم الحديث عن استقلال مالي للجماعات المحلية يبقى هذا الأمر نسبيا، لأن أغلب الجماعات تعيش على فتات التمويل المركزي، سواء فيما يرتبط بالإعانات أو القروض أو الإمدادات. وأمام العجز الدائم لمالية الدولة، فإن إمكانيات الجماعات مهددة هي الأخرى. يضاف إلى ما تقدم وجود اختلالات بنيوية تطال نظام اللاتركيز المفتقد للالتقائية/التنسيق الضرورية لخدمة لا مركزية حقيقية. وكل ما سبق يجعلنا أمام خلاصة أساسية: ما الفائدة من اختصاصات متقدمة بوصاية مشددة وموارد هزيلة؟"

من جهة أخرى أورد بيان "العدل والإحسان" المناخ السياسي الذي تجري فيه هذه الانتخابات "تعترضه اختلالات سياسية كبيرة تتمثل في استمرار الاعتقال السياسي، والتضييق على حرية الرأي والتعبير والصحافة والحق في التنظيم والتخييم، وقمع الاحتجاجات السلمية، والتضييق على الهيئات الحقوقية والمدنية والمنابر الإعلامية، وإقصاء المعارضين وافتعال القضايا ضدهم، وهو ما يفقد العملية الانتخابية طابعها التنافسي وتكافؤ الفرص بين كل الفرقاء، وهذه أبسط متطلبات البيئة السياسية السليمة لإجراء انتخابات ديمقراطية. ولذلك، فالمشاركة في انتخابات تغيب عنها التنافسية وتكافؤ الفرص يعني القبول بتجميل نظام فاسد حريص على شرعنة سلطويته للظهور بمظهر ديمقراطي في المنتظم الدولي، وهو ما لا نرضاه لأنفسنا ولا لأبناء شعبنا. وأبسط مثال على ما سبق غياب الشفافية، وانعدام التوزيع العادل للموارد المالية المرصودة لتمويل العملية الانتخابية، واستمرار تسخير الإعلام العمومي، الذي يمول من جيوب دافعي الضرائب، للترويج للرأي الواحد وتسفيه الرأي المخالف، وإقصاء المعارضين للنظام من حقهم المشروع في ولوج الإعلام العمومي، وحرمان الأطراف الداعية لمقاطعة الانتخابات من التعبير عن موقفها بشكل حر عبر وسائل الإعلام، بل حتى بعض الأحزاب المشاركة تشتكي من وجود حيف في الاستفادة من تغطية الإعلام العمومي".

وفي سياق آخر أشارت الجماعة إلى أن "هذه الانتخابات  تجري في ظل تحكم مخزني في مفاصل اللعبة الانتخابية طيلة كل مراحلها، وهو ما يفقد هذه الانتخابات حدها الأدنى من ضمانات النزاهة، ويكرس جو الشك والريبة والعزوف وفقدان الثقة: التردد في تحديد تاريخ الانتخابات، والسرية والتسريبات بخصوص مشاريع القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، وإجراء الحملات الانتخابية وتحديد يوم الاقتراع خلال العطلة الصيفية، واستعمال التقطيع الترابي كآلية للتحكم في صياغة المشهد الانتخابي، والاكتفاء بالتحيين الجزئي للوائح الانتخابية، والاستمرار في اعتماد التسجيل بطلب عوض التسجيل التلقائي مما يفسح المجال واسعا للتلاعب بنسبة التصويت، والتأخر الكبير في إعداد وإصدار القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، مما جعلها تتسم بالكثير من الاختلالات الشكلية، ناهيك عن مضامينها غير الديمقراطية، وصياغة المراسيم والقرارات التنظيمية المتعلقة بالانتخابات في ظروف استعجالية وأوقات قياسية مما جعلها تتسم أحيانا باختلالات مشينة، ولعل أبرز مثال هو الخطأ الحسابي المتعلق بعدد مقاعد المقاطعات في المدن الخاضعة لوحدة المدينة، والذي لم يتم اكتشافه إلا بعد الشروع في عملية الترشيح. وأما نمط الاقتراع، فلا يسهم إلا في مزيد من إفساد الحياة السياسية بما يسفر عنه من بلقنة المشهد السياسي، ويشجع على بروز أعيان ولوبيات انتخابية تعتمد الرشوة للظفر بالمقاعد ونسج التحالفات الغريبة لصناعة مجالس غير متجانسة، قابلة للتحكم والانفجار في أي لحظة. وبذلك تصبح الانتخابات في المغرب وسيلة لإفساد الحياة السياسية والنخب والشعب عوض أن تكون وسيلة دمقرطة وتخليق".

ومن ضمن أسباب المقاطعة، ذكرت البيان أيضا "الهيمنة الواضحة لوزارة الداخلية التابعة مباشرة للقصر على إعداد مختلف مشاريع القوانين التنظيمية والقوانين والمراسيم والقرارات المتعلقة بالانتخابات، واحتكارها للتدبير الحقيقي للقسط الأهم من أمور الجماعات الترابية وكل ما يتعلق بها رغم ما يروج له من تمييز بين الإشراف السياسي والتقني والذي ليس إلا محاولة لتبييض سياسي لانتخابات تحتكر وزارة الداخلية الإشراف الفعلي على كل مراحلها، وهي ذات الباع الطويل في تزوير الانتخابات والتحكم في خريطتها".

وأردف البيان ذاته أن "الانتخابات المحلية  تجري بعيد أسابيع من إجراء الانتخابات المهنية، وقد سجل على هذه الأخيرة ملاحظتان هامتان على الأقل: نسبة المشاركة الضعيفة والتي لا يعلم حقيقة ضعفها إلا وزارة الداخلية بصفتها المحتكر الوحيد لإدارة هذه الانتخابات، وتظلم وتشكي الجميع بمن فيهم وزراء وبرلمانيون وقادة أحزاب بارزون من استعمال المال وشراء الأصوات وعدم حياد الإدارة مما يعزز الشكوك حول الظروف التي ستعقد فيها انتخابات الجماعات الترابية. يضاف إلى ذلك التوافق المفضوح، الذي ظهرت بعض مؤشراته من الآن، بعدم الطعن في مجريات العملية الانتخابية ونتائجها".

وبناء على كل ما سبق شددت الجماعة على أنه "يتبين من خلال النصوص المنظمة للجماعات الترابية أن المخزن عمل بشكل دؤوب على إفراغ كل التعديلات الدستورية التي بدت إيجابية من محتواها (الانتخاب المباشر للمجالس الجهوية وتقديم العرائض..) وذلك من خلال تشديد المراقبة القبلية والبعدية على أعمال المجالس الترابية، والإضعاف من سلطة الرئيس المنتخب، وإبقاء الأجهزة المنتخبة تابعة لسلطة غير منتخبة، والحيلولة دون بناء جماعات محلية قوية ومتجانسة وذات تمثيلية حقيقية للساكنة المحلية".

وقالت الجماعة :"رغم احترامنا لوجهة النظر المخالفة، فإننا نرى أن المساهمة في الانتخابات المحلية، سواء بالترشيح أو التصويت، قبول بالحجر على الشعب والتنقيص من سيادته، خاصة وأن وزارة الداخلية ظلت محتكرة من قبل سلطة المخزن، مما يجعل رهاناتها مختلفة تماما عن رهانات توسيع الهامش الديمقراطي الذي نادى به بعض الفضلاء. فكيف ينتظر من جهاز يعتبر اليد الطولى للمخزن العتيق أن يعمل من أجل أن يمارس الشعب ولايته على الجماعات الترابية".

وزاد البيان ايضا "تعتبر الجماعات المحلية تفصيلا مقبولا في نظام ديمقراطي، إلا أنها في نظام استبدادي توظف لترويض الساكنة على القبول تدريجيا بالسلطة الاستبدادية، ودفعها إلى التسليم بعجز الجماعات المحلية عن القيام بدورها، مما يولد سخطا تستغله السلطات الحاكمة في إسناد كل الإنجازات لجهة واحدة ووحيدة".

كما ذكر نفس المصدر أن "تكريس الاستبداد وترسيخه هو العنوان البارز لكل مشاركة في مسرحيات سميت زورا وبهتانا "انتخابات محلية"، إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه، فجماعات فقيرة لا تملك صلاحيات حقيقية، وعليها أعباء متزايدة بسبب الطلب الاجتماعي الكبير، أنى لها أن تقوم بأية تنمية محلية فعلية؟"

وكنقطة أخيرة جددت الجماعة تأكيدها على أنه "إذا كان الأصل فاسدا، فأنى للفروع أن تسلم من فساد الأصل، بل هي في خدمته. ولعل من أبرز الجنايات في حق الشعب المغربي بعد مآسي التربية والتعليم، ما أصاب تصاميم المدن والقرى، وتهيئة المجال، والبنيات التحتية، والمرافق والممتلكات العمومية من كوارث بسبب هذا الفساد".