حميد المهدوي ـــ لنفترض أن رواية "العدل والإحسان" هي الرواية الحقيقية، وأن السيد مصطفى الريق مُجرد ضحية لملف "مفبرك"، تسعى من خلاله السلطات إلى "النيل من الرأس المال الرمزي" للجماعة، كما قال السيد الريق بنفسه في كلمة له، بعد الإفراج عنه، ألا يحِقُّ لنا كصحفيين أن نطرح جملة من الأسئلة؛ أولا، لماذا ستسعى السلطات إلى تشويه صورة الجماعة وهي شبه غائبة، خاصة في الملفات الاجتماعية؟

هل تقود الجماعة معركة شعبية ما في مكان ما، ضد غلاء فواتير الماء والكهرباء مثلا أو ضد "افتراس" القروض الصغرى لفقراء الشعب أو ضد طرد العمال من المعامل أو ضد السكن الصفيحي أو ضد المحاكمات الجائرة للصحافيين أوالحقوقيين أو لصالح ساكنة إميضير....حتى تخاف السلطات منها وتسعى للنيل من رأسمالها الرمزي؟

وهل الدولة المغربية بكل هذا الغباء حتى تُورط صورتها المؤسساتية والقانونية والحقوقية في "حلبة" بنت الجماعة مشروعها فوقها وهي "حلبة" الأخلاق والقيم؟ علما أن السلطات تدرك تكلفة وتبعات اعتقال أي عضو من الجماعة عليها، خاصة على الصفحات الاجتماعية والمواقع الإلكترونية؟

وكيف تُورط السلطات صورتها المؤسساتية والقانونية والحقوقية في ملف كهذا، في وقت تشهد فيه الجماعة سكونا، بل وتراجعا في أعدادها، مقارنة مع أعداد تسعينيات القرن الماضي؟

ثم كيف تُغامر الدولة بكل هذه "الفضيحة" المدوية والمجلجلة، وهي التي خرجت أقوى من أي وقت مضى، بعد حركة 20 فبراير، بدليل ما تنهجه اليوم من سياسات عدوانية ضد بعض الصحافيين أو ضد جمعيات حقوقية وغيرها، دون خوف ولا اكتراث بتبعات ذلك على صورتها واستقرارها؟

قد تكون لدى السلطات، إذا صحت رواية الجماعة في ملف السيد الريق، تقديرات ومعطيات غائبة عن الرأي العام، وأن النظام اليوم في حرب استباقية مع الجماعة، حتى إذا تأزم الوضع العام بالبلاد، لا تجد السلطات حزبا أو جماعة قادرة على تعبئة الشعب ضدها، لكن هذه القراءة تبدو غير مقنعة إلى حد كبير؛ لأن جماعة "العدل والإحسان" بنت مجدها بفضل حروب الدولة ضدها؛ فكلما اعتقلت السلطات فردا من أفرادها أو "حاربت" نشاطا من أنشطتها، كلما ارتفعت أسهم الجماعة وسط الشعب، وكلما تغافلت السلطات الجماعة، كلما تدنت شعبية "العدل والإحسان" وسط المغاربة.

والظاهر أن السلطة تريد الحفاظ على مكانة للجماعة وسط الشعب، إذا صحت رواية العدل والإحسان؛ لأنه كلما وجدت هذه السلطة نفسها في ورطة لجأت إلى شعبية حزب أو جماعة للخروج منها؛

فحين أراد الملك محمد الخامس تمتين أواصر الملكية مع الشعب بعد خروج الاستعمار لجأ إلى شعبية "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" من خلال حكومة عبد الله ابراهيم، وحين وجد الملك الراحل الحسن الثاني نفسه أمام المحك بعد اضراب 90 بفاس وصدور كتاب "صديقنا الملك" لجيل بيرو" لجأ إلى "شعبية" أحزاب الكتلة سنة 1993، وحين أراد نفس الملك انتقالا سلسا للعرش لجأ إلى شعبية الاتحاد الاشتراكي، سنة 1997، وحين وجد الملك محمد السادس نظامه في مواجهة حركة 20 فبراير لجأ إلى شعبية حزب العدالة والتنمية، وطبعا أمام تآكل شعبية "البجيدي" وسط المغاربة، تحتاج السلطة اليوم إلى "صيانة" صورة الجماعة وسط الشعب المغربي بين الفينة والأخرى، حتى إذا وجدت نفسها في أزمة، لجأت إلى الجماعة لإنقاذها، في أفق توفير حليف احتياطي آخر في المستقبل.

داخل "العدل والإحسان" شرفاء، حرائر وأحرار، في القيادة والقواعد، يعرفهم القاصي والداني، لكن داخلها أيضا جناح، له قدرة عجيبة على لعب جميع الأدوار، بما فيها منعه لدخول الجماعة إلى السكرتارية المحلية لسيدي إفني سنة 2008، أو حتى مجرد إصدار بيان ضد الفظاعات التي ارتكبت ضد المحتجات والمحتجين، وهو الجناح الرافض لتركيز الجماعة على الملفات الاجتماعية وقيادة النضالات الشعبية، بمقابل التركيز على المعارك الأخلاقية والتربية الدعوية، وإيلاء الأولوية لمعارك الأمة العربية والإسلامية، إنه الجناح المسؤول عن تواري كريمة الشيخ عبد السلام ياسين إلى الخلف، والمسؤول عن مناصبة الجماعة العداء لعدد من الحقوقيين والسياسيين والصحافيين، وهو الجناح الذي يقف وراء وصف زعيم الجماعة بـ"الأمين العام" بدل المرشد كما تجري الأمور في بعض الجماعات الإسلامية، كإشارة سياسية من الجناح المعني، لدخول الحياة السياسية الرسمية، والأخطر أن هذا الجناح هو من يقف وراء إقناع باقي الإخوة داخل الجماعة بالخروج من حركة 20 فبراير، ومن الحراك الشعبي عموما، مباشرة بعد فوز "العدالة والتنمية" بالانتخابات.