حكم الإعدام الذي صدر عن القضاء المصري في حق الرئيس المعزول محمد مرسي وعدد من قيادات الصف الأول لجماعة الإخوان المسلمين في مصر عرى حقيقة حزب العدالة والتنمية في المغرب وكشف درجة النفاق السياسي لهذا الحزب في تعاطيه مع الحالة المصرية مند انقلاب الجنرال الدموي عبد الفتاح السيسي على الشرعية الديمقراطية في البلاد.
السنوات الثلاثة التي ثلث الانقلاب العسكري الدموي الذي أودى بحياة الآلاف من المصريين الداعمين لشرعية الرئيس محمد مرسي وزج بآلاف أخرى في سجون الذل والمهانة والعار كانت كافية لمعرفة المعدن الحقيقي لحزب العدالة والتنمية المغربي الذي أبان على مكر سياسي كبير في تكييف مواقفه السياسية مما حدث ويحدث في مصر مند ثورة 25 يناير 2011 إلى غاية اليوم.
في سنة 2011 وظف حزب العدالة والتنمية نتائج الحراك المصري في أجندته السياسية على المستوى الداخلي بشكل مكثف، حيث كان هذا الحزب يؤسس خطابه السياسي في مواجهة من يصفهم بقوى التحكم على ما يقع هناك من تغيرات عميقة، رغم أنه في تعاطيه مع الحراك العشريني بالمغرب اتخذ موقفا سياسيا على مستوى أمانته العامة يقضي بعدم المشاركة في الحراك المغربي بسبب عدم وضوح توجه هذا الحراك، والكل يتذكر ماذا كان يقول عبد الإله بنكيران عن حركة 20 فبراير، في الوقت الذي كان حامي الدين وسعد الدين العثماني ومصطفى الرميد يخرجون في التظاهرات ويدلون بالتصريحات ويرفعون لافتات مكتوب عليها لا ديمقراطية بدون ملكية برلمانية !!
نجح الحراك المصري في إنهاء حكم الرئيس حسني مبارك، الذي حكم المصريين بقبضة أمنية مسنودة بقانون الطوارئ المشؤوم لثلاثة عقود من الزمن، ضاق فيها المصريون كل صنوف القمع والتضييق والاعتقال والتعذيب في مخافر الشرطة ودهاليز المخابرات...
وقد كان من نتائج ذلك أن وضع المصريين دستورهم الجديد وشاركوا بكثافة في انتخابات مجلس الشعب لاختيار ممثليهم وفي استحقاق الرئاسة لانتخاب رئيسهم عن طريق صناديق الاقتراع التي أفرزت محمد مرسي رئيسا للبلاد بنسبة 52 بالمائة.
فرحة إسلامي العدالة والتنمية بتصدر حزب العدالة والحرية في مصر لنتائج انتخابات مجلس الشعب ونتائج الاستحقاق الرئاسي، كانت عارمة، وأعطت نفسا جديدا لحزبهم، الذي عرف كيف يستفيد من نتائج الربيع العربي، ويحولها إلى انتصار سياسي وطني كاسح لفائدته، في مواجهة خصومه السياسيين بدون أي تكلفة تذكر، لأنهم " إسلاميو البيجيد" كانوا يدركون أن رياح التغيير ترجح كفة التيار الإسلامي الذي لم يسبق له أن شارك في تدبير الشأن العام في المغرب، ويعلمون أن الملكية في المغرب لن تقامر بأمن واستقرار البلاد كما حدث في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن...
صعود الإسلاميين إلى الحكم في مصر، وتصدر حزب النهضة الإسلامي التونسي لنتائج الانتخابات في تونس، فتح شهية الإسلاميين المغاربة، ومنحهم موقع تفاوضي قوي في العلاقة مع القصر، مكنهم من الدخول في مفاوضات غير معلنه مع محيطه الضيق للإتفاق على ترتيبات المرحلة المقبلة، في الوقت الذي استكان فيه حزب الأصالة والمعاصرة الذي أسسه الوزير المنتذب السابق في أم الوزارات " الداخلية"، وفضل التواري إلى الخلف في انتظار مرور عاصفة الحراك وتداعيات الربيع، لاسيما، بعد أن رفع شباب حركة 20 فبراير شعارات قوية طالبوا فيها بإسقاط الفساد والاستبداد وبفصل السلطة عن الثروة وربط المسؤولية بالمحاسبة وبرحيل عدد من الوجوه الوازنة في محيط القصر وفي البام.
في هذا السياق، يمكن فهم خلفيات تجاوب الملكية في المغرب مع مطالب الشارع المغربي من خلال خطاب 09 مارس، ودستور فاتح يوليوز 2011، وإجراء انتخابات سابقة عن أوانيها " انتخابات 25 نونبر 2011" حقق فيها حزب العدالة والتنمية اكتساحا انتخابيا غير مسبوقا بفوزه بــ 107 مقاعد في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الاستحقاقات الانتخابية بالمغرب مند سنة 1963.
خلال السنة الأولى من الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال الدموي، عبد الفتاح السيسي، ودعمته دول خليجية بحجم إنفاق مالي كبير قدر حينها بــ 30 مليار دولار، لإجهاض التحول الديمقراطي في هذا البلد، الذي تنظر له هذه الدول كخط دفاع أمامي للحفاظ على أمن واستقرار أنظمتها الاستبدادية، التي ترتعب من تمدد جماعات الإخوان المسلمين وترتاب من وصولهم إلى الحكم..
خلال هذه السنة إذن، بدأ حزب العدالة والتنمية المغربي يكيف مواقفه السياسية مما يجري في مصر مع مواقف وتوجهات الدولة، التي عكستها برقيات الملك محمد السادس للرئيس المؤقت عدلي منصور ولعبد الفتاح السيسي من بعده، أو من خلال بيانات وزارة الخارجية المغربية التي باركت ما أسمته بالتحول الديمقراطي في مصر في الوقت الذي كان فيه جزء كبير من الشعب يدين ويستنكر الإنقلاب..
وعندما تبين لحزب العدالة والتنمية أن مرحلة مرسي انتهت، شرعت قيادة هذا الحزب في التخلص تدريجيا من استعمال شارة رابعة التضامنية في مواقع التواصل الاجتماعي، بل وصلت الأمور برئيس الحكومة عبد الإله بنكيران إلى حد نفيه أن يكون قد استعمل إشارة رابعة رغم وجود صورة له تثبت ذلك.
كما بدأت تصدر مواقف عن وزراء الحزب وبرلمانييه، تدعوا المغاربة إلى ضرورة التمييز بين مواقف الحزب، وبين مواقف رئيس الحكومة بصفته رجل دولة، لا سيما، بعد أن كلفه الملك محمد السادس بنكيران بتمثيل الدولة في قمة شرم الشيخ التي تباحث على هامشها مع الرئيس الانقلابي على الشرعية الديمقراطية عبد الفتاح السيسي دون أي شعور بالخجل لأن إمكانيات تمثيل أشخاص آخرين غيره كانت متاحة.
ما الذي وقع حتى خرج " البواجدة" للاحتجاج في الشارع على حكم الإعدام الظالم الذي أصدره قضاء الجنرال الدموي في حق الرئيس الشرعي للبلاد محمد مرسي؟ كيف يمكن المزاوجة بين رفض إعدام محمد مرسي ووصفه بالرئيس المصري السابق في بيان الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية؟ هل هناك من ضحك على الذقون أكثر من هذا؟
حزب العدالة والتنمية، الذي خفف تدريجيا من حملته التضامنية مع الرئيس مرسي في مواقع التواصل الاجتماعي، وطبع مع الانقلاب فيما بعد، وحاول التملص في مناسبات عدة من أي علاقة له بما يسمى بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، عليه أن يستحيي من نفسه قليلا، وعلى قادته أن يكونوا رجالا أحرارا لا يخشون في قول الحق لومة لائم، لأنهم يعلمون أن المناصب زائلة، وأن التاريخ لا يرحم المتخاذلين الذين يغيرون في المواقع ويرتدون الكثير من الأقنعة.
ينبغي على حزب العدالة والتنمية الذي يتبجح بمرجعيته الإسلامية، أن يكون واضحا في مواقفه بخصوص ما حدث ويحدث في مصر إلى حدود اليوم من تجاوزات وقمع، بعيدا عن أي استغلال سياسوي لمحنة الإخوان المسلمين هناك، مهما كان الاختلاف والتمايز بين التجربتين المصرية والمغربية قائما. في المواقف تكون الأحزاب أو لا نكون.
لماذا لم يغير الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي من مواقفه الرافضة للانقلاب على الشرعية الديمقراطية في مصر كما غيرها بنكيران؟ لماذا لم يغير الغنوشي مواقفه؟ لماذا لم يغير الرئيس التركي طيب رجب أردوغان مواقفه؟ لماذا لم يغير عدد من رؤساء الدول في أمريكا اللاتينية مواقفهم؟ لماذا لم يغير الحقوقيين واليساريين المغاربة مواقفهم مثلما غيرها مناضلي العدالة والتنمية الذين ركبوا اليوم موجة الاحتجاج على حكم إعدام الرئيس مرسي؟
كونوا أوفياء لمواقفكم، وفي علاقتكم مع دواتكم والآخرين، وعندما تتذرعون بالمصالح العليا للوطن، عليكم أن تبسطوا أمامنا هذه المصالح، إن كنتم صادقين.
هل نسيتم كيف انقلبت الدولة المغربية إعلاميا بمائة وثمانون درجة على مواقفها التي تشيد بالتحول الديمقراطي في مصر بعد الانقلاب عندما انزعجت من حماقات الإعلام العسكري الانقلابي في مصر ووصفت الرئيس محمد مرسي بالرئيس الشرعي للبلاد؟
في الموضوع المصري، لا مصالح لنا كشعب مغربي مع النظام الانقلابي للجنرال عبد الفتاح السيسي، بل يمكن أن تكون هناك مصالح للنظام مع دول الخليج، التي مولت الانقلاب لإجهاض التحول في بلد تعتبره خط دفاعها الأول عن أمنها واستقرارها.
النظام الانقلابي في مصر تدفقت عليه ملايير الدولاورات " 36 مليار دولار والرقم مرشح للارتفاع" زي الرز كما قال السيسي. ماذا جنت الدولة المغربية من دعمها للانقلاب الدموي في مصر؟ وماذا تحصلت عليه من الخليجيين الذين صرفوا الملايير لشرعنة هذا الانقلاب؟
النظام المصري أهاننا وخدش كرامتنا عدة مرات من خلال قنواته الإعلامية التي تسيرها أجهزة مخابراته، والنظام السعودي أهاننا بدوره مرتين: مرة عندما أساء مرافق الملك سلمان معاملة شقيق الملك بطريقة غير لائقة، ومرة أخرى، عندما لم يبدي السعوديون تعاونهم مع المغرب بالشكل المطلوب لاستعادة جثة طيارنا المغربي ياسين بحتي الذي ضاع منا في حرب تعنيهم ولا تعنينا نحن في شيء.
ما هو حجم الاستثمار الخليجي في المغرب مقارنة مع حجم الاستثمارات الإسبانية والفرنسية مثلا؟ ماهو رقم معاملاتهم التجارية مع المغرب؟ بأي نسبة مئوية يساهمون في تطوير الاقتصاد الوطني؟
البيجيدي انخرط في مشروع الدولة وقدم من التنازلات المدمرة لمستقبله الحزبي والسياسي ما يكفي، تاركا بذلك، المجال مفتوحا أمام قوى التحكم التي فرض عليها الحراك العشريني في سنة 2011 الانكماش على الذات بعد التواري خطوات إلى الخلف.
إذا استمر البيجيدي في نهج إستراتيجية النفاق السياسي في تعاطيه مع القضايا الوطنية والإقليمية والدولية في إطار التوازنات الداخلية التي يمليها عليه موقعه في السلطة سيفقد مشروعيته إذا بقيت له من الأصل.