العالم العربي قبل وبعد الثورات
بين حنين لماضي الانكسارات والشوق لغد أفضل

مهما تكن المفاضلة فإنها لا ترقى إلى أبعد نقطة من المنطق ، ولكن كل ما في الأمر فإنها تبقى مقاربة بين أشياء كل منها لها قيمتها الخاصة ، إلا أن في هذا النقاش الدائر حول وضع العالم العربي قبل وبعد الثورات هكذا ، فإن وجهات النظر تختلف بحسب المواقع والمراكز الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأيديولوجية والثقافية والمجالية.
في أي شيء كان العالم العربي أفضل حالا من الراهن فيه ؟ بالطبع السؤال المطروح يوحي بأن العالم العربي كان في أسوء الأحوال والأوضاع ، كان في أزماته التي أغرقته في أودية من الفساد والاستبداد والقهر والتسلط ، والتي جنت عليه كل الويلات في كل مجالات الحياة عموما ، أزماته متعددة تنطلق من الفرد إلى المجتمع إلى الأنظمة إلى الدولة ، المواطن العربي لم يكن مواطنا بالفعل ، الدولة لم تكن تجسد الإرادة الجماهيرية العامة ، المجتمع بقي في حدود انتماءاته الضيقة والعضوية ، - قبائلية ، عشائرية ، طائفية، مذهبية دينية ، ...- ، فقدت فيه الانتماءات المدنية العقلانية ، غيبت فيه السياسة ذات الأبعاد الوطنية والحضارية المعقلنة، غيب فيه الفكر الفلسفي المسائل لكل القضايا والهموم الجماهيرية بالرغم من إنتاج المفكرين والمثقفين والفلاسفة العرب المتزنين وأصحاب المشاريع الفكرية القيمة والوازنة.
فقد ساد في العالم العربي نوع من النخب الفاسدة والمستبدة والمتسلطة ، تم فيه تجفيف منابع الاقتصاد والسياسية والاجتماع لصالح الطبقات السائدة بقوة القهر في تعالقات وتجاذبات بين فيئات إقطاعية وبرجوازية لا وطنية ، همها الوحيد هو التحكم في رقاب العباد والبلاد ، والمزيد من سياسات التفقير والتجويع ،في خضم كل هذا وغيره ، فكيف بنا أن نقول بأفضلية السابق على اللاحق من الأوضاع العربية، وهو ما يسمح لنا بالقول بأن الوضع العربي كان في حاجة إلى خلخلة بنيوية للقطع مع ما سبق ، إلا أن هذا يتطلب وقتا ليس باليسير ، وهو ما يمكنه أن يتحقق في سبيل نشدان الثورات المدوية ، بالرغم من نتائجها على الآماد المتوسطة والبعيدة ، ويتطلب كذلك نفسا عسيرا في مسايرة النفس الثوري البناء ، فالتغيير له أثمنة وتكاليف باهظة ، وخاصة في وقتنا الراهن ، لاحتمالات كثيرة ومتنوعة في كل مقارباتها العديدة .
فحكام العالم العربي تربعوا على عروش الحكم عقودا من الزمن، لم يقدموا لشعوبهم ما يستحق التنويه أو الإشادة، صنعوا أساليب الغلبة والقهر لإخضاعها والسيطرة عليها، أبدعوا في خلق شبكات الفساد على كل المستويات، حتى غدوا أوليغارشيات تحكم بيد حديد ونار ، فراكموا الأزمات تلو الأخرى ، وأوهموا الشعوب تحايلا بفكرة مواجهة الأعداء الداخليين والخارجيين المتربصين بأمنها واستقرارها، في سبيل تمرير المغالطات السياسية والأيديولوجية، حيث أضحت كل المجالات العمومية حكرا لهم ولزبانيتهم في كل تفاصيلها، لذا كان من الضروري أن تنبعث شرارة الرفض المطلق لهم في أولها من تونس لتمتد على طول العالم العربي، فتبدأ مسيرات الخلخلة البنيوية في الواقع العربي بأنظمته العتيقة وتصورات البالية، فاتحة نوافذ العتق السياسي من مخالب الأنظمة المستبدة والفاسدة والمتسلطة، في أفق تحريره من السائد الرجعي، أملا في تحقيق ذات الأهداف والمطامح التاريخية والحضارية لكل الشعوب المقهورة .
إن كل تجارب الحكام العرب لم تعط أية إمكانية لتقدم الشعوب، ولا أية فرصة لتبوئها المكانة اللائقة بها حضاريا، فقد كرست كل مشاعر النكوص والتخلف والقهر الذاتي والموضوعي، حيث دعمت الارتكاسات النفسية وكل العوامل السلبية في نفسية إنسان العالم العربي ، وعمقت شعوره بالدونية التراتيبة في كل مجالات الحياة عموما، سواء منها الخاصة أو العامة، وسحبت من تحت أقدامه بساط التفكير السوي والطبيعي بآليات القهر والعنف المادي والرمزي الممنهجة لسلب الإرادة الحرة وردود الفعل الإيجابية اتجاه واقعه بكل إحداثياته، فعمقت الهوة بينه وبين ذاته ككائن إنساني له حقوق وواجبات وتطلعات وأمال، حيث غدت كل أفكاره وتصوراته اتجاه كل العوالم متماهية مع ما يختلج الحاكم والقائد الهمام ، القائد العربي الذي لا يأتيه الباطل ولا الخطأ من بين يديه ولا من أمامه ولا من خلفه .
لقد ثارت ثائرة شعوب العالم العربي، فشرعت أبواب الثورات، أملا في غد أفضل، من دون كلل ولا ملل، سائرة على دروب النضال الثوري، مهما كلف من ثمن، لم يكن العالم العربي أفضل حال مما هو عليه، رزح تحت نير مقصلة حكام لم يرحموه، فجردوه من كل قيمه الإنسانية والوجودية والحضارية، لذا فالتغيير طالما لا يأتي في وقته كما يمكن تصوره، فتبا لمن لازال يطبل ويزمر حنينيا لماض كله انكسارات ورجعيات وتحكمات وحظائر شعوب مسلوبة الإرادة والتفكير الحر والبناء .
بقلم / عبد المجيد بن شاوية