بديل ـ صلاح الدين عابر 

بخلاف العديد من الزملاء الصحافيين، ممن تواطأوا كتابة أو صمتا، على ما تعرضت له "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" على لسان وزير الداخلية محمد حصاد، خرج الصحافي جمال بودومة، لينتصر للجمعية، بمقال مثير تحت عنوان "الضرب تحت الحزام"، نشر على الصفحة الأخيرة من يومية "المساء" في عددها ليوم الخميس 07 غشت.

هذا نصه كاملا:

جمال بدومة - يبدو أن المشاريع الناجحة لا مكان لها في المغرب، هكذا فكرت وأنا أتتبع الحملة المسعورة التي تتعرض لها «الجمعية المغربية لحقوق الإنسان» على يد وزارة الداخلية وجوقة من وسائل الإعلام التي لم تعد تتقن إلا النباح والنهش والتبول على الجثث، بمجرد ما يقول لها أسيادها: «أطاك لو» ( Attaque-le!...) حين ترى أصداء الحملة التي تتعرض لها «الجمعية» في الصحافة المغربية، تتأكد أن «من يصنعون المطر والجو المشمس» غسلوا الجرائد بـ«جافيل» و»ساني كروا»، وكسروا كل الأقلام المزعجة، واستكملوا سيطرتهم على المشهد الإعلامي!

واضح أن ثمة أطرافا في الدولة لم تغفر لـ»الجمعية» اصطفافها اللامشروط إلى جانب حركة العشرين من فبراير، وكانت تترقب هدوء العاصفة كي تبدأ مسلسل الانتقام. الحملة بدأت من خلال التحرش بأعضائها في مختلف المدن والفروع، حيث تم اعتقال كثيرين بتهم ملفقة؛ وشهدت ذروتها خلال الهجوم المفاجئ الذي شنه عليها وزير الداخلية من منصة البرلمان في خطاب مليء بالتحريض والافتراءات، قبل أن تكمل الصحافة المأجورة بقية «المهمة». حتى المخيمات الصيفية، التي تنظمها لتربية الأجيال الجديدة على ثقافة حقوق الإنسان، منعها محمد حصاد رغم أنها تقام بشراكات وقّع عليها وزراء يجلسون معه في المجلس الحكومي! 

ولعل الذنب الوحيد الذي ارتكبته «الجمعية المغربية لحقوق الإنسان» هو أنها حققت نجاحا في مجال اشتغالها، وجمعت رصيدا محترما في الدفاع عن حقوق الإنسان، مما جعلها تكسب سمعة دولية واعترافا أمميا جسدته الجائزة الرفيعة التي حصلت عليها رئيستها السابقة، المناضلة المحترمة خديجة الرياضي، والتي يكفي أن نرى لائحة من سبقوها إلى هذا التتويج، من لوثر كينغ إلى نيلسون مانديلا، كي نعرف أن «لا مكان لنبي في وطنه». من خلال جديتها وشجاعتها وتضحيات أعضائها، استطاعت «الجمعية المغربية لحقوق الإنسان» أن تتصدر واجهة العمل الحقوقي في المغرب، وأصبحت تقاريرها مرجعا لمن يريد الاطلاع على الوضع الحقوقي في بلادنا، سواء في الداخل أو الخارج. على امتداد سنوات من العمل الميداني والنضال اليومي والتضحية بالوقت والمال والحرية، تمكن أشخاصٌ، يحلمون بمغرب أفضل، من أن يشيدوا قلعة حقوقية تساهم في إرساء البناء الديمقراطي، يجدر بمن يتغنون بمغرب «الحداثة والديمقراطية» أن يفتخروا بها، لا أن يهووا عليها بالفؤوس والمعاول.

مقابل النجاح الذي حققته «الجمعية»، تحول «المجلس الوطني لحقوق الإنسان» إلى مؤسسة بلا مصداقية، أظهر المشرفون عليه مواهب في «الصباغة» و»التجيار» وتبرير الانتهاكات، وعلى رأسهم رئيس المجلس الذي كان يملك رصيدا محترما في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان قبل أن يتحول إلى «مخزني» غارق في مستنقع الريع. العالم ينصت للرياضي وأمين والهايج ويسخر من اليزمي وتقاريره، لذلك تحاول السلطات  إسكات «الجمعية» كي لا يعلو صوتها على أبواق المجلس!

ونحن نخلد الذكرى الخامسة عشرة لوصول محمد السادس إلى الحكم، يصعب أن نفهم كيف لدولةٍ، جعلت من «طي صفحة الماضي» و»احترام حقوق الإنسان» شعارا لـ»عهدها الجديد»، أن تفقد أعصابها أمام جمعية مستقلة، لم تقم بأكثر من دورها في رصد الخروقات التي تتعرض لها الحقوق والحريات، بما يلزم من جدية وحياد. الدولة التي اختارت طريق الديمقراطية، لا ترسل وزير داخليتها إلى البرلمان كي يرفع العصا في وجه جمعية حقوقية، مهما كانت تقاريرها قاسية، ومنحازة حتى. 

لأنهم لم يستطيعوا تطويع «الجمعية» كي يدخلوها إلى دار الطاعة ويحركوها بـ«التيليكوموند»، أطلقوا عليها الكلاب. ما يحدث لـ"الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" يؤكد أن كل المشاريع الجدية في المغرب تتعرض للتصفية، سواء كانت سياسية أو حقوقية أو إعلامية. الدولة تريد أن تتحكم في كل شيء، بكل الأدوات الممكنة، وعندما تعجز عن ذلك تلجأ إلى الضرب تحت الحزام!