يشكل تصريح الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء المغربية ،حلقة ضمن مسلسل من التصريحات والمواقف والقرارات ،التي توالت خلال الأشهر الأخيرة ،بشكل مضطرد وغير مسبوق ،صادرة عن مسؤولين، ومنظمات ،وهيئات دولية وإقليمية ، رسمية ومدنية. القاسم المشترك بينها جميعا ،هو أنها "تشكك" في الوجود والسيادة المغربية على صحرائه ،تارة تعتبر وجوده ذاك "إحتلالا" ، ينبغي إزالته ، وطورا تعتبره مجرد "تكليف بإدارة المنطقة" تبعا للتوصيف الأممي ، إلى حين إيجاد حل متفاوض عليه بين الأطراف المعنية ..وبالتالي تطالب دولها والمنتظم الدولي بمعاملة المغرب وفق القواعد والمقتضيات الدولية المهيكلة لهكذا وضع..
ومما لا شك فيه أن تنامي موجة العداء إزاء القضية الوطنية الأولى للمغاربة ،وسط منظمات وهيئات المجتمع الدولي ،يعزى أساسا ، إلى مواقف المجتمع الدولي من قضية الصحراء المغربية ،وخاصة الدول الكبرى ،وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية ،ودول الإتحاد الأوربي ، التي تعتبر أطرافا فاعلة في قضية الصحراء ، وذلك منذ إحالة القضية على محكمة العدل الدولية بلاهاي سنة 1974 ،لاستصدار فتوى في الخلاف بين المغرب وإسبانيا حول الصحراء ، مرورا بالمؤامرات التي أحاطت بالقضية ، من لدن أطراف إقليمية ( إسبانيا ،الجزائر ،ليبيا..) ،وصولا إلى المتاهات التي آلت إليها القضية في دهاليز الأمم المتحدة ،وهي مستمرة حتى اليوم ،وطيلة هذا المسار الشائك والصعب ،الذي اجتزته قضية الصحراء ،ظلت هذه الدول شاهدة على تطورات القضية ،التي بدأت في أوائل الستينيات على الأقل ،في اللجنة الرابعة المكلفة بتصفية الاستعمار ،في إطار المطالبة المغربية باسترجاع أراضيه المحتلة من طرف إسبانيا ،ومناورة هذه الأخيرة بمعية فرنسا لمعاكسة إرادة المغرب في استقلال أراضيه ، لتأخذ القضية بعد ذلك أبعاد خطيرة ،خاصة بعد دخول الجزائر على خط القضية ، واستغلالها في إطار تصفية حسابات تاريخية وسياسية ، وتحقيق أهداف إستراتيجية وحيوية للجزائر من خلال إقامة "كيان مصطنع" تابع لها ، يمكن الجزائر من الحصول على منفذ استراتيجي إلى المحيط الأطلسي ، وبالتالي تطويق المغرب من طرف الجزائر واسبانيا ،وعزله من الشمال والشرق والجنوب ،والمحيط الأطلسي من الغرب..
ورغم أن بعض الدول الأوربية ،وتحديدا فرنسا وإسبانيا ، التي شاركت – بشكل مباشر-في المؤامرة ضد وحدة المغرب الترابية ،راجعت مواقفها من قضية الصحراء ، إلا أنها ظلت تتفرج على حجم التجييش الدولي الذي تقوم به الجزائر، من أجل فصل الصحراء عن مغربها من دون أن تبلور مواقف حاسمة من النزاع ،المعروض على الأمم المتحدة، مكتفية بدور محايد ،وأحيانا مناور ،وهذا ينسحب بصفة عامة على مواقف دول الإتحاد الأوربي ،والولايات المتحدة الأمريكية ، من قضية الصحراء ،مما يشيع الغموض والالتباس في وعي الرأي العام الأوربي والدولي عموما حول قضية الصحراء ،ولذلك تتحمل هذه الدول بحكم تأثيرها القوي في المنتظم الدولي مسؤولية أخلاقية وسياسية ، في تنامي مشاعر العداء إزاء الوحدة الترابية للمغرب ، من لدن الهيئات والمنظمات والمسؤولين في هذه الدول ،لأنها تدرك خلفيات النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية ،مثلما تدرك عدالة الموقف المغربي في صحرائه ،وأكثر من هذا تدرك مدى انخراط المغرب في المجهود الدولي لإيجاد حل متوافق عليه للنزاع، ومع هذا تخضع مواقفها إزاء قضية الصحراء لمنطق المصالح المتشابكة ،وحتى عندما قدم المغرب مقترح الحكم الذاتي لإنهاء النزاع المفتعل حول صحرائه- وهو بالمناسبة مقترح "ثوري" وديمقراطي بلائم أنماط الحلول الدولية المطروحة لهكذا نزاع- إكتف المجتمع الدولي المزعوم ،وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية ،ودول الإتحاد الأوربي بالثناء على المقترح المغربي ،والتأكيد في نفس الوقت على حق تقرير المصير،وهذا دليل لمن لا يزال يبحث عن دليل على أن موقف المجتمع الدولي من قضية الصحراء كما إزاء أي قضية عادلة ،مرتهن بالمصالح الإستراتيجية للدول المهيمنة على صناعة القرار الدولي
لذلك ،بدل أن يتفرغ المغرب دولة وحكومة وبرلمانا للرد على التصريحات والمواقف والقرارات التي تصدر عن هيئات ومنظمات ومسؤولين دوليين -بدل ذلك - عليه أن يوجه جهوده إلى الدول الكبرى ،المؤثرة في المنتظم الدولي ،وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ،ودول الإتحاد الأوربي ،وفي مقدمتها فرنسا ،وهي دول تربطها بالمغرب علاقات إستراتيجية ،وذلك لإقناعها - بمنطق المصالح وأساليب الضغط- بعدالة قضيته وضرورة اتخاذ مواقف حاسمة بدعم المقترح المغربي الذي يشكل أرضية ديمقراطية لإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء ، والاستنكاف عن سياسة "نعم" و " لا" التي تحكم مواقف المجتمع الدولي من النزاع حول الصحراء حتى الآن ،وتكشف جانبا من نفاق الدول المؤثرة في هذا النزاع ،وهذا يستلزم من المغرب بذل جهود مضاعفة على واجهتين متلازمتين ،الواجهة الداخلية ، وذلك بالمضي قدما في تنزيل مشروع الجهوية الموسعة في أقاليم الصحراء تمهيدا لإقامة الحكم الذاتي ،وذلك بشراكة وتوافق مع المواطنين في هذه الأقاليم ، بموازاة مع تمتين عرى الجبهة الداخلية بتوسيع مدى التجربة الديمقراطية ،وإشراك الصحراويين في تدبير شؤونهم المحلية وفق ماتقتضيه قواعد الديمقراطية المحلية ، والواجهة الخارجية،من خلال إقرار إستراتيجية دبلوماسية ،وسياسية ،وإعلامية موجهة أساسا للخارج تروم كشف مخططات البوليساريو والجزائر ،وإحراجهما في المنتديات الدولية ،من خلال فضح نواياهما التآمرية ضد الوحدة الترابية للمغرب ،خاصة بعد رفضهما مقترح الحكم الذاتي ،الذي تقدم به المغرب إلى المنتظم الدولي لإنهاء النزاع حول الصحراء، والذي لقي ترحيبا دوليا كبيرا ،لكن مازال يحتاج من المغرب إلى مزيد من التسويق الدولي وصولا إلى تبنيه من طرف المجتمع الدولي ،كحل وسط يلبي الحد الأدنى من مطالب الأطراف ،مثلما أنه متناغم مع توجهات السياسة الدولية في المنطقة،إنما- فقط- يبقى على المغرب أن يضاعف جهوده على الواجهتين،الداخلية والخارجية وفق ما شرحناه في تضاعيف هذا المقال ،من أجل التسويق لمقترحه، وإقناع المجتمع الدولي بوجاهة مقترحه وعدالة قضيته..وهذه في تقديري هي ساحة الوغى الحقيقية التي على المغرب أن يخوض فيها حربه ضد أطراف مناوئة لا تراع في المغرب وأهله إلا ولا ذمة.!.سعيا إلى إنصاف دولي لا يأتي من فراغ..!