عبد الله أفتات

منذ تراجع وهج الحراك الذي شهده المغرب سنتي 2011 و 2012 والسلطات المغربية تحاول عبثا التقليل من الهامش الكبير من الحرية الذي تتمتع به الصحافة الإلكترونية المغربية، وتعمق أكثر مع هبوب الرياح التي هبت على المغرب، والجميل في الموضوع أن السلطة كلما اعتقدت أنها اقتربت من تكميم أفواه هذا النوع من الصحافة المزعج عبر "الاستمالة" تارة أو "الإغلاق" تارة أخرى، إلا وظهر مشروع إعلامي إلكتروني يملأ الفراغ إن لم نقل يكتسح بل ويتسيد الساحة رغم الإمكانات المتواضعة التي لا زالت تميز المواقع الإلكترونية الوطنية الجادة .

ففي الوقت الذي اعتقدت فيه السلطات المغربية أنها طوت ملف الصحافة الإلكترونية المزعجة بإغلاقها لموقع "لكم" ـ الذي لا زالت فئة عريضة من المغاربة تنتظر عودته ولو بعنوان جديد ـ وبعد أن استطاعت إخلاء الساحة من الأقلام المزعجة بشتى الطرق، وإذا بموقع إلكتروني يلج الساحة ويتسيدها في وقت وجيز ليس بسبب عدد زواره رغم أهميته بل بسبب خطه التحريري المنتقد حد الإزعاج، صحيح أن لهذا الموقع بعض الهفوات التي قد نقع فيها جميعا، لكن في المجمل موقع يصحح مع مرور الوقت مساره ويراجع بعض طرق اشتغاله، والأهم في كل هذا أنه موقع يجد ويكد، والدليل أن بعض أخطاء الانطلاقة بدأت تتلاشى شيئا فشيئا وهو ما أزعج العديد من الجهات التي ليست بالضرورة داخل السلطة، لأن هناك من كان ولا يزال "يقتنص" الأخطاء والهفوات ويعمل على نشرها في محاولة لإفشال هذه التجربة .

إن الاستدعاء والتحقيق بل والاستنطاق المتكرر للزميل حميد المهدوي مدير موقع "بديل" وحول مواضيع غير مقنعة حتى الآن، ليس له من تفسير إلا محاولة من أجهزة داخل السلطة أتعبها الخط التحريري لهذا الموقع خاصة وأنه مرشح فوق العادة لأخذ مكانة نوعية داخل ساحة الإعلام الإلكتروني، ل"فرملة" عمله، وتليين وتلطيف مضمونه وعناوينه كما حدث مع العديد من المواقع الإلكترونية وبدون ضجيج وبشكل سلس، حيث أصبحت عناوينها كعناوين الوكالة الرسمية. إلا أنه ومع إصرار القائمين على موقع "بديل" على المحافظة على نفس النهج، الذي من أجله وبسببه برزت الصحافة الإلكترونية المغربية كأحد أبرز المؤثرين والصانعين للرأي العام، فإن السلطة طبعا لن تقبل بهذا السلوك خاصة بعد أن أخذنا مسافة أصبحت معتبرة من الضغط الشعبي، وقد نتفاجأ غدا بسلوك أقوى لأجهزة لم تعد تعطي أي اعتبار للعناوين البراقة التي ترفعها الجهات الرسمية في المنتديات والمحافل الحقوقية والإعلامية، خاصة وأن السياق مناسب بل مساعد على الاستمرار في التضييق والإجهاز .

ونستحضر هنا بالمناسبة سلوك العديد من وسائل الإعلام الوطنية سواء الورقية أو الإلكترونية تجاه قضية الزميل حميد المهدوي حتى تلك التي يعتبرها البعض مستقلة ، تصوروا معي أن مديرا لموقع إلكتروني يتعرض لهجوم غير مسبوق (تضييق، استنطاق، محاكمة..) ومع ذلك لا نجد لهذه القضية خبرا أو حتى إشارة وسط عناوين هذه الوسائل الإعلامية رغم إمكاناتها المالية والبشرية الكبيرة، وهو ما يجعلنا نشك في الأمر، بل إننا مع مرور الوقائع والأحداث أصبحنا نخاف أن يكون صمتها هذا هو "تواطئ" غير معلن من أجل حسم قضية موقع "بديل" وفي أقرب فرصة .

ويكفي أن نشير هنا إلى أن لائحة أصبحت طويلة من أبرز كتاب الرأي المغاربة الذين لم تعد تجد مقالاتهم طريقها نحو النشر بهاته المواقع المصنفة، مما حذا بهم إلى الهجرة نحو فضاءات إلكترونية أرحب وأوسع، ولنترك هذا الموضوع لفرصة أخرى خاصة وأن معظم الأقلام الممنوعة لا ترى ضرورة للحديث عن طريقة وأسباب منعها في الوقت الراهن .

وإذا كانت السلطة تعتقد أنها تستطيع التأثير في كل مكونات ساحة الإعلام الإلكتروني فهي مخطئة، وعليها أن تعي أن من مصلحتها استمرار الصحافة المنتقدة التي هي من العناوين البارزة للشعارات الرسمية المرفوعة، ودليل على عافية التجربة المغربية التي من وسائل اشتغالها الاستمالة والاحتواء للأسف .اليوم توجد على الساحة مواقع إلكترونية جادة ومستقلة في خطها التحريري القائم أساسا على الانحياز لقضايا الشعب، رغم إمكاناتها المادية والبشرية المتواضعة، إلا أن الأهم في تقديري هو التواجد والاستمرار في القيام بالواجب (الإزعاج).