علق ثلاثة قضاة على ما أكتبه في موضوع القضاء كالآتي:
ـ لن يفيد الكلام في شيء، فلن يتغير واقع الحال. وسيتربصون بك !
ـ يحتاج التغيير إلى مائة سنة وقد لا تكفي، فالاختلالات جد عميقة !
ـ الذين تنتقدهم عرفوا من أين يؤكل لحم الكتف وفاز باللذة الجسور !
لم يخطىء أو يبالغ هؤلاء القضاة. وما قالوا به سرا، قلته علنا، فصاحب الرأي الأول الذي ينشد السلامة والحذر ويمشي بمحاذاة الجدار، صادق في ما علق به، ففي اللقاء الأول الذي جمعنا باللجنة العليا لإصلاح منظومة العدالة بمقر وزارة العدل قلنا جهارا.
ـ إن استبداد بعض القضاة بالمناصب على سبيل التأديد لا يخدم مصلحة القضاء.
ـ إن مبدأ التخصص والتربصات التي مهدت له لم تحترم بالمرة.
ـ إن محكمة النَّقض لا تلعب الدور الطبيعي المفترض أن تضطلع به.
ـ إن أجر القاضي غير كاف.
إن سياسة التكوين المستمر للقضاة قاصرة.
وقد أجاب السيد وزير العدل متعهدا بتدارك هذه الاختلالات.
مرّ الزمن سريعا وبقي الحال على ما هو عليه، ولم نجن كما قال صاحبي سوى عداء الذين يوسوسون في الآذان حفاظا على مناصبهم، ومنهم اللئيم الذي أراد أن يترجم حقده عملا ليمس بي وبأسرتي فخرج من القطاع مذموما محتقرا لا يمد أحدا يده للسلام عليه !
وصاحب الرأي الثاني قاض محنك، فاض به الكيل، فآثر العمل بالمحاماة، ولو أراد أن يؤلف ما حكاه لي من وقائع يشيب لها الولدان لما كفاه سفر واحد. بالتفصيل الممل يسرد الرجل التفاصيل، وبيأس قاتل يثبط همّة كل من ينادي بالإصلاح قائلا: لا يمكن إسناد المهمة لمن راكموا تجربة ملحوظة في إفساد القطاع، إن تشعب الاختلالات وعمقها وحصانة الملتصقين بالكراسي تبرر قولي بوجوب مرور قرن من الزمان لتحقيق الغاية وقد لا تكفي.
لم يكن الرجل كاذبا، فقد أوصد باب قاعة المداولات عندما اقتحمها ليلا مسؤول قضائي أمره وزير العدل آنذاك أن يجبر الهيئة القضائية على منح السراح المؤقت لمجرم خطير. ولم يتحقق المراد إلاّ بتغيير الهيئة ضدا على القانون.
ولم يبالغ صاحب الرأي الثالث، فزملاؤه من ذات الفوج وقفوا على الوصفة السحرية لإدراك المراد، ولم يحل دون ذلك أن يكونوا مثلوا مرة أو مرتين أمام المجلس التأديبي، لهم طرقهم الخاصة، هي تثير استغرابنا، ولكننا نعرف تفاصيلها جيدا.
صاحبي هذا صادق في ما يقول، فأذكر أنني قلت لإطار قضائي كبير كيف تسندون مهمة معينة لمن مثل حديثا بالمجلس التأديبي ونال العقاب، ففاجأني بالقول: ليس في علمي، ثم اتصل بجهة الاختصاص فأخبره رئيسها آنذاك بأن الخبر صحيح، فضرب سماعة الهاتف بقوة وأسف.
ما قال به زملائي القضاة صادق وصحيح؟ هل أسكت عنه؟ لا نحن لسنا شيطانا أخرسا !!