عبد الله أفتات

تعودنا في المغرب أنه كلما كان النقاش حاميا ومسؤولا حول قضايا البلد المصيرية والجوهرية، إلا وتدخلت جهة لتغيير مسار النقاش الحقيقي الذي عادة ما يحتضنه الإعلام الجاد الإلكتروني على الخصوص، يجد صداه الكبير والواسع بوسائل الاتصال الاجتماعي وفي مقدمتها الفايسبوك، وذلك بافتعال ملفات هامشية وغير ذات جدوى، لكنها تكون مثيرة وفي بعض الأحيان محبوكة وبشكل بارع لتحويل الأنظار من الرئيسي والأساسي إلى الإلهاء والنقاش الفارغ .

ففي الوقت الذي كان فيه كتاب الرأي، والشباب المدون، والمواقع الإلكترونية، ومجموعة من الباحثين يناقشون ملفات الساعة الحارقة، ومن يتحمل المسؤولية مثلا في فاجعة طانطان التي ذهبت بفلذات أكبادنا الأبرياء، والأسباب الحقيقة لهذا الحادث الذي هز المغاربة، تطل علينا وسائل إعلام بخبر تصدر واجهة الصحف الإلكترونية منذ أول أمس عن شيخ شاب من طنجة لا يتجاوز سنه 24 سنة يتوفر على "كرامات وخوارق"، اتضح في ما بعد زيف معظم تلك الأخبار، باستثناء ادعائه أنه يحس بطاقة زائدة وغير عادية منذ وفاة جده، واتضح أن مواقع إلكترونية بعينها "تصرفت" في الأخبار وبالغت في طريقة تقديمها للرأي العام، بعضها اعتمد على صفحات فيسبوكية قال "الشيخ الصوفي" الشاب عنها أنه لا يعرف حتى الفايس بوك ولا يعرف حتى كيف يشغل الحاسوب وهو بعيد كل البعد عن مثل هاته الأشياء التي تحتاج إلى وقت وهو ليس لديه وقت فراغ فهو مشغول بما هو أهم في تقديره وهو التصوف واستقبال الزوار والحديث عن سير المتصوفة وبحكاية "الخرايف" حسب قوله لمن أراد الاستمتاع .

ليبقى التساؤل المطروح من كان وراء نشر تلك المعطيات الغير الصحيحة؟، ومن سربها لمواقع إلكترونية معينة؟، ومن وراء صفحات فايسبوكية تتحدث باسمه بعضها وصل عدد معجبيها 20 ألفا في ظرف 48 ساعة؟، ومن أصدر تلك البيانات والبلاغات التي تضمنت أشياء مبالغ فيها بشكل مضحك وحملت توقيعه وتوقيع الزاوية الصمدية ؟ خاصة وأن الرجل من خلال الحوارات المصورة التي أجريت معه بسيط ومسالم و تفكيره أبسط مما يتصور البعض، حتى أنه تفاجأ بكثرة الأخبار التي نشرت عنه والتي فندها ودعا لمن يختلقها بالهداية والتوبة.

ولا أخفيكم أنني تفاجأت صباح اليوم ( الإثنين ) بكثرة الاتصالات الهاتفية والفيسبوكية من زملاء من مختلف المدن المغربية يطلبون هاتف "الشيخ المسكين" للتواصل معه و "الفوز" بتصريحات مثيرة ـ بحكم تواجدي بطنجة ـ لكن خاب أملهم جميعا لأن تصريحات الشيخ كلها صارت عكس ما كانوا يأملون، ليتضح حجم الاهتمام الإعلامي بملف يمكن أن نقول عنه أنه "فارغ" وأن الحيلة انطلت على الأغلبية، وأن الهدف كان غير ما هو معلن ومعاين.

الهدف في تقديري كان واضحا وهو تحويل النقاش إلى جهة أخرى، وإلهاء الرأي العام خاصة على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي بموضوع بدا لي أنه "تافه" لكنه حقق الغاية جزئيا من خلال ربح المزيد من الوقت حتى تمر حالة الاحتقان والاحتجاج والغضب على أسباب فاجعة مدينة طانطان التي لا زالت آثارها تدمي قلوب المغاربة بالنظر لهولها وجللها وتكرارها بهذا الشكل أو ذاك دون تحديد المسؤوليات وتحريك المساءلة التي لا زالت ثقافة غائبة في بلدنا المغرب .

وفي الحقيقة فإن هذه ليست هي المرة الأولى التي يلجأ فيها إلى هذه الطريقة، فقد سبق وأن حدثت أكثر من مرة وبأدوات وأساليب مختلفة لكن الإعلام دائما للآسف يكون مسرحا لها وأحد ضحاياها البارزين، ولا أعتقد أن هذه "الحيل" ستنطلي مجددا على المغاربة، لذا على وسائل الإعلام الجادة أن تنتبه جيدا لمثل هذه السلوكات التي في حقيقتها أصبحت متجاوزة وقديمة، وأن على من خلفها التجديد والإبداع ليضمن الاستمرار .