المريزق المصطفى

لا أجهل أن هناك من يعتقد بأن التاريخ لا يصنع حينما و حيثما قد يعيش الإنسان، و لا أجهل أن هناك من لا زال يعتقد أن الأحداث و الوقائع يسيطر عليها القضاء و القدر، و لا أجهل – كذالك - أن هناك ( و نحن في القرن الواحد و العشرين) من يعتقد أن الحقيقة مطلقة و من الممكن التصرف فيها من أجل المنفعة الخاصة، أو تملكها انطلاقا من شرعية ما. 

لقد ركز مفكرو و فلاسفة القرن الثامن عشر، على فكرة الإنسان الطبيعي المتوحش و الطيب، في مقابل الإنسان المتمدن و الفاسد، و اعتبرت أنثروبولوجيا القرن التاسع عشر، هذه الاجتهادات مجرد افتراضات فلسفية و أخلاقية لا قيمة علمية لها، و زاد اهتمامها في ما بعد، بالبناء الاجتماعي لأي جماعة أو مجتمع، بما يحويه هذا البناء من علاقات و تنظيمات اجتماعية و سياسية و عقائدية و عشائرية و طائفية و دينية.

كما جرى القول لدى المؤرخون، بأن التاريخ لا وجود له إلا حيث تتوافر لدينا من السجلات المكتوبة المتماسكة و المخلفات الأثرية ما يكفي لتكوين نمط زمني يمكن تفسيره. 

و من نافل القول أن تباين الرؤى و المواقف حول الحقيقة الغائبة (كما يقول فرج فودة) انطلاقا من الجهد الفكري و التحليلي، دفع علماء الأنثروبولوجيا إلى الاهتمام بنفس المشكلات القيمية التي يواجهها عالم الاجتماع، حيث أن عملية النمو الاقتصادي و التغير الاجتماعي باتت موضوعا مشتركا.
و نظرا لوجود مؤشرات تخص حالات متناظمة سواء من جهة التاريخ الإجتماعي أو قضايا الهجرة و الحركات الاجتماعية، أو من جهة السوسيولوجية التاريخية ( التقليد الألماني و الأمريكي) الموجهة نحو الأسئلة السياسية، كتلك المتعلقة بالتاريخ الثقافي من خلال طرح أسئلة جديدة حول الدين و الرأي؛ ظهرت و جوه فكرية بارزة مثل لوسيان لوفيبر و جيرار نوارييل وآخرون، تنادي بتقريب حقول البحث و خلق شروط "التحالف" بين التاريخ و السوسيولوجيا. أما من جهة علماء الاجتماع، فإن بيير بورديو نظر لموضوع وحدة التاريخ و الإثنولوجيا و السوسيولوجيا و كذلك الإقتصاد بنظرة غير سلبية، معتبرا السوسيولوجيا علم المجتمع بامتياز.
و إذا كانت الأبحاث الأكاديمية الأنثروبولوجية تركزت على التنظيمات الاجتماعية و مكوناتها و أنظمة السلطة و الأنشطة الدينية و الفنية و الثقافية، و نشأت عنها مقاربات مختلفة تناولت النظام الثقافي-الاجتماعي للمجتمعات، فإن الحاجة الاجتماعية إلى الدين و القيم و تحقيق حاجيات عملية، هي أمور صارت اليوم متصلة بتطور حياة كل أصناف الجنس البشري.
طبعا، ليست كل مقاربة للواقع محايدة، فكل تحليل يجيب في العمق عن نظرة معينة للكون و عن اختيار إيديولوجي، و هو بالتالي التزام واع أو غير واع للباحث. لقد استحضر ماكس فيبر آثار البروتستانتينية و الكالفينية في تطور النظام الرأسمالي، كما سعى إلى استيعاب الوقائع المجتمعية من خلال مختلف دوافعها و حوافزها، معتبرا "السلعة الرمزية" مفهوم دال على الطقوس و الأديان و الأساطير. و الفاعلون في الحقل الديني هم من يبيعون مفاتيح الجنة. كما أن "السلعة المادية" ذات العلاقة بأسواق البضائع مصدرها فاعلون في الحقل الاقتصادي يبيعونها مقابل قيمة نقدية. و كلاهما، يقول فيبر، محكومان بمنطق الربح، و أن القيمة النقدية في السوق الإّقتصادية تماثلها الجنة في السوق الدينية.
فبقدر ما صارت السوسيولوجيا علما للمكان الاجتماعي في مسارات تطوره و تغيره و تحضره، صارت الأديان من أهدافها، و صارت (السوسيولوجيا) لها الأهلية و العناصر اللازمة لتحليل المجتمعات التي تجعل الديني فوق الدنيوي. و هنا تجدر الإشارة إلى ضرورة الانفتاح الشامل و الواسع على كل حقول المعرفة لكي لا يبقى موضوع الدين غامضا، مبهما و حكرا على من يمارسونه و يحتكرونه و يحترفونه من أجل الركوب عليه و توظيفه في المرجعيات السياسية المشوهة و المشبوهة.
إنه من اللغو الباطل اتهام الحداثيين باتهامات رخيصة تستنجد بالعنف الرمزي و المادي و بالتخلف و العصبية، بدلا من تشجيع طلاب الجامعات على المناهج العلمية و الاستفادة من التحاليل و الدراسات التي أوصلت مجتمعات حديثة و معاصرة إلى قمة الهرم.
إن تهميش دور الجامعة و تغييب تحليل و دراسة ما يحدث في المجتمع، و ترك الظواهر الدينية في الظلية أو الظلامية، هو رجوع إلى الوراء و شذوذ مرضي مخالف القياس. فلتحقيق هذه "اللذة" (الرجوع إلى الوراء) يتم اللجوء إلى استخدام المكر و الكذب و العنف و القوة، بل يتم التطلع إلى ممارسة و وظيفة الهيمنة كوظيفة إيديولوجية إسلامية من نوع خاص، تضمن " علاقة الرضا" بين تياراتها الإسلامية و السلطة.
إن الوزارة الوصية على الجامعة المغربية، باتت اليوم عبارة عن إدارة إصطناعية و ليس لها نموذج فاتن، و أنشطة جديدة تحث و تشجع على منافع العلوم الاجتماعية و على الانفتاح و الإرادة التطوعية و التشاركية، لجعل الأنوار في قلب المشروع الجامعي العصري المواطن و لتكريم المتنورين و ليس العكس. يحصل هذا، في زمن لم تعد فيه الأضرحة بديلا عن مستشفيات الأمراض العقلية، و المغاربة لا يريدون سوى إجابات شافية عن أسئلتهم.
و من جهة أخرى، و رغم ما حققته العلوم الاجتماعية من ثورات و من هزات في العديد من الجزر المغمورة، لا زال الاستخفاف بدور القوى و الفاعلين الداعين للتغييرعن طريق التهجم على الحداثيين ببغض و كراهية و عدوانية، و لا زال من يقف على الرصيف يحارب المؤمنين بالأنوار داخل الجامعة من خلال تغييب ما يحدث في المجتمع. بل يتم الدفاع علانية، من خلال المؤسسات و المنابر الإعلامية العمومية منها و المستقلة، على تيارات إسلامية شاذة للإجهاز على ما حققته الجامعة المغربية من تراكمات علمية و معرفية.
إننا لا نجهل ما للدم من أهمية بالنسبة للمتوحش، و واعون كل الوعي بما تمارسه الجماعات الإسلامية داخل الحقل الطلابي كحلقة ضعيفة تلجأ إليها هذه الجماعات للاستمرار من أجل جر الجامعة لصنف المنادين بالدولة الإسلامية دفاعا على الحكم الإلهي في مقابل الحكم البشري، و صلاحية أحكام الشريعة لكل زمان و مكان.
لقد علمنا التاريخ، أن عصور"اليقين" ( كما يقول د. فؤاد زكريا) في حياة البشر، كانت هي عصور الانحطاط، و على العكس من ذلك كانت عصور الشك و التساؤل هي عصور التقدم و النهضة و الوثبات الكبرى إلى الأمام.
إن شحن طلاب العلم باليقين الكامل و بالإجابات الجاهزة و إبعادهم عن دائرة التساؤل و النقد و التسامح و العقل و العلم الإنساني و تسفيه النظريات العلمية، يعد شذوذ حقيقي و هجوم و تحريض على العقل البشري، و هذه إحدى خصائص التيارات الإسلامية.
و لا جدال في كون التجارب السابقة للتيارات الإسلامية، شكلت رافدا من روافد العنف و مطاردة الأنوار و المتنورين و استبعاد و إدانة الممانعين و هدم التراث النضالي التقدمي الذي راكمته الجماهير الطلابية المغربية في صيرورة تراكماتها و تفاعلها مع القضايا المجتمعية الكبرى.
إن هذا المنظور في التعامل مع الجامعة المغربية يشكل اليوم خطر حقيقي يهدد المجتمع برمته بالتطرف و بالانحطاط و الاستبداد الجديد. لقد عانت السوسيلوجيا المغربية معانات حقيقية و تمت محاصرتها في العديد من المناسبات، ما جعل المغاربة و حتى المناضلين و المتعلمين منهم، لا يملكون إلا معطيات أولية حول تاريخهم. و الدليل على ذلك، العجز الجماعي في محاولة فهم استمرارية عيش القبائل الأمازيغية بهويتها الشخصية و بتنظيماتها الاجتماعية و بعاداتها و تقاليدها السابقة على الإسلام، و هذه فقط حالة من مختلف الحالات الإجتماعية. فالجامعة المغربية اليوم - من خلال المتنورين و من أجل المستقبل - بات عليها لزاما فتح مجالات بحث و دراسة الحالة التي كان يوجد فيها المغرب عند وصول الإسلام، حتى يعلم هواة الشذوذ الإسلاموي مثلا، أن في العديد من مناطق المغرب كان الإسلام شكليا و لم يكن متأصلا أو متجدرا، و أن قبائل شاسعة من المغرب العميق لم تتعرب بعد. و تعتبر حالة قبائل غمارة نموذجا آخرا من نماذج القبائل التي دخلها الإسلام و ظلت "اللعنة الشيطانية" تصاحبها نظرا لإنفتاح سكانها على قيم دنيوية، و تحويل العبادة لصالح شخصية محلية، إسمه مولاي عبد السلام بن مشيش بقبيلة بني عروس.
لقد إنتهز أعداء الحرية فرصة الحضر العملي على المنظمة الطلابية المغربية العتيدة، للهجوم عل ثلة من المتنورين داخل الجامعة، و السبب هو أن هؤلاء المتنورون كانوا يرسمون على أرض الواقع سياسة تعليمية بديلة تريد جعل الجامعة فضاء للإقلاع العلمي و المعرفي و الثقافي، بينما كان الشذوذ الإسلاموي ينفذ قرارات بإيعاز من الدولة لجعل الجامعة إمارة إجرامية تحرض على العنف و الايذاء البدني و المعنوي، و ما قتل المعطي بوملي و أيت الجيد بنعيسى الا لكي يصبحا نموذجا رادعا للأخرين! و من غريب الصدف، أن هذه الممارسات الإجرامية في حق المتنورين، شهدتها العديد من مناطق مصر منذ بداية التسعينات على يد الجماعات الإسلامية. (أنظر فرج فودة، حتى نكون أو لا نكون).
إن شهداء الأنوار، المعطي بوملي و أيت الجيد بنعيسى، ناضلوا من أجل تعليم ديمقراطي، و الذي هو في العمق نضال ضد اللامسواة. و هنا نستحضر أهمية هذا النضال الذي ضمنته النظرية السوسيولوجية في كتاب "الورثة" (لبيير بورديو و كلود باسرون)، و التي تم تطويرها لا حقا في كتاب "إعادة الإنتاج"؛ هذه النظرية تؤكد على علمية الطابع الطبقي للثقافة المدرسية.
أخيرا، هل هناك من منقذ للجامعة المغربية؟
إذا كان صحيحا أن الجامعة المغربية مهددة بمصائب و أمراض خطيرة، أليس من واجب من يعتقدون معرفة هذه المصائب أن يخرجوا عن صمتهم؟
و الآن، إن العمل على الابتكار و خلق بنيات الابتكار الجماعية، سيولد حركة اجتماعية حول الجامعة بأهداف و وسائل جديدة.