حميد هيمة

عندما كانت تستعد بعض النخب للانزلاق نحو حضن السلطة القائمة في إطار "الانتقال الديموقراطي"، انبرت الشبيبة، بشكل تلقائي، لمقاومة هذا الانزياح السياسي. وعندما كان الجميع يتوهم استسلام المجتمع لسياسة التركيع، نهضت الشبيبة، مرة أخرى، لرفع تحدي مجابهة عدوان السلطة وفضح تخاذل الكثير من النخب الثقافية والفكرية والسياسية والإعلامية...الخ.

فالشبيبة المغربية، بهذا الزخم التاريخي، هي ضمير الشعب التواق إلى الحرية، والرقيب اليقظ على نخبه من الانزياح في اتجاه السلطة المقاومة بطبيعتها للديموقراطية. وهي- الشبيبة- الرافد الحيوي الذي غذَى الحركة التقدمية بكل أطيافها بالأطر والطاقات المكافحة من أجل الحق التاريخي للشعب المغربي: الديموقراطية.

على خلاف هذا المسار، الموسوم بالإخلاص والتضحية، يمكن أن نسجل، بشكل استثنائي، حالات محدودة لشذوذ بعض "النخب" الشبيبية، وخاصة تلك التي تزعم الانتساب إلى الحركة الديموقراطية، عن هذا المسار النضالي للشبيبة المغربية. وهي حالات، على كل حال، تنكشف حقيقة وظائفها في تدجين الفعل الشبيبي وأسره لفائدة أعداء الديموقراطية بفضل يقظة ونباهة المناضلين!

من المهم، في هذا الصدد، التأكيد على أن فضاءات العمل الجماهيري، وبالتحديد النضال النقابي في الجامعة، شكل خزان لا ينضب للأطر المناضلة؛ التي غذت، بشكل دائم، الحركة الديموقراطية. ويكفي أن نثير هنا، على سبيل الإشارة، أن سيرة معظم السياسيين تتضمن وقائع على النضال الطلابي في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، بما يتضمنه هذا الانتماء من تضحيات قاسية ومؤلمة.

كما أن الشبيبات الحزبية، والقصد هنا شبيبات الحركة الديموقراطية، كانت الرقيب الأخلاقي على سلوك الفاعل السياسي للمعارضة؛ حيث لم تتردد هذه الشبيبات في إعلان مواقف متعارضة مع أحزابها، كما حدث، مثلا، في معارضة الشبيبة الاتحادية، على عهد ذ. محمد الساسي، التصويت بـ"نعم" لدستور 1996 في خلاف مع موقف الحزب الذي كان يستعد لحكومة "التناوب التوافقي" بقيادة ذ. عبد الرحمان اليوسفي.

في سياق متصل، يمكن، أيضا، استعادة موقف "حركة الشبيبة الديموقراطية التقدمية" المؤيد لأطروحات "على طريق الإصلاح الديموقراطي"، في مقابل خط "ضد الانعزالية" المبشر بإمكانية التوافق مع السلطة القائمة.

هذا الالتقاء الموضوعي في الموقف بين شبيبتين في التصدي لانزلاق النخب الحزبية، وفي الوفاء والإخلاص للنضال المؤسس فعليا للديموقراطية، هو ما يجعل شبيبة الحركة الديموقراطية ضمير المجتمع.

وعندما استسلمت النخب للريع السياسي بمبرر تجاوز "السكتة القلبية"، في نهاية التسعينيات، فجر ذ. محمد حفيظ موقفا نبيلا ومخلصا لهذا الإرث الشبيبي: رفض مقعد برلماني مزور في زمن سطوة البصري!

والأكثر من ذلك، أن شبيبتنا قدمت حقها الأصيل في الحياة قربانا من أجل حق شعبنا في التحرر والديموقراطية: استشهاد قافلة من المناضلات والمناضلين في السجون والمنافي وميادين النضال.

نعم، يجب أن نفتخر بأن تاريخ المغرب "المعاصر" ليس إلا تاريخ نضال شبيبته: فمن شبيبة الاستقلال الوطني والتنظيمات الثورية والحركات الاجتماعية إلى غاية حركة 20 فبراير، تظل الشبيبة المغربية، وخاص الشبيبة المتعلمة، مخلصة في مقاومة الاستبداد رغم ثقل فاتورة التضحيات.

إن هذا الدور الكفاحي للشبيبة المغربية، وخاصة ذات الهوية الديموقراطية والتقدمية، هو ما يجعل النظام، ومختلف أدواته المرئية والخفية، يعمل بشكل حثيث من أجل تدجينها، واختراقها وتطويعها - الشبيبة المغربية- بما يضمن التوازنات السياسية والاجتماعية المحافظة على استمرارية جوهره: الاستبداد بالسلطة والاستحواذ على الثروة.
إن السلطة، الواعية بهذا الدور الحيوي للشباب، تتجنب نهوض الشباب الديموقراطي، كما مثلته انطلاقة حركة 20 فبراير، في المطالبة بإسقاط الفساد والاستبداد.
كل الوفاء لشبيبة النضال.