خطت أنامل الشاعر المغربي الملتزم محمد بنميلود  عبر تدوينة على صفحته الخاصة، "صورة فنية" جميلة عن لقاء الصحافي حميد المهدوي بالأمين العام لحزب "الأصالة والمعاصرة" الياس العماري.

وخلط بنميلود بطريقة عجيبة بين السخرية والجد وهو يقدم تقييما فريدا للحوار، بعيدا عن بعض التقييمات المحكومة بخلفيات سياسية وحزبية.

وكتب بنمليود، في تدوينته، التي حظيت بإعجاب مئات الأشخاص وعشرات التعليقات المؤيدة لمضمون التدوينة: 

تابعت اللقاء بين حميد المهداوي وإلياس العماري فوجدت المهداوي صحفيا جيدا ذكيا جريئا يطرح الأسئلة دون عقدة نقص ودون رقابة ذاتية على حريته (تلك الرقابة التي لم نستطع التحرر منها بعد في أغلب ما نقول وأغلب ما نكتب) كما وجدت العماري سياسيا محنكا رزينا واقعيا واضحا في كلامه أقل شعبوية من أغلب (إن لم أقل من كل) زعماء الأحزاب الأخرى تحترم إجاباته ذكاء المواطن. سواء اتفقنا مع ما يقول أم لم نتفق فالرجل يفرض احترامه بجدارة، لا يهاجم باقي الأحزاب هجومات متهورة ولا يرد على شتائمهم غير السياسية كأن ينعته بنكيران بالسلكوط أو أن يتهمه بتاجر الحشيش. بعد ذلك استغربت كيف يهاجم أشخاص كثيرون المهداوي لأنه استضاف العماري، كأن العماري ليس مواطنا مغربيا، وأكثر من ذلك ليس أمينا عاما لحزب ومرشحا لرئاسة الحكومة ويحضر مناسبات رسمية كثيرة يرأسها الملك.
يتهمون المهداوي أنه باع الماتش، كأن المهداوي قدم للعماري كعب غزال، بل صراحة قدم له صفعات كثيرة متتالية (لا يجرؤ صحفيون آخرون على تقديمها له) عبر أسئلته الحِشرية الجريئة المضحكة أحيانا حيث وصل به المطاف أن شبه العماري بالجذام. لكن خد العماري كان أصلب من تلك الصفعات وأكثر ثقة في نفسه وفي قدراته السحرية وهدوئه متجاوزا كل تلك الهجمات التقليدية التي لم تعد قادرة على عرقلة طريقه.
لماذا يهاجمون المهداوي أنه باع الماتش؟ إنه مجرد صحفي مجتهد وعصامي طور موقعا وخطابا يحتاجه المغرب بشدة في مرحلته الراهنة، لماذا لا يهاجمون المواقع الأخرى والصحفيين الآخرين المرتزقين الذين تعج بهم المواقع والتلفزيونات والجرائد بأعداد الجَراد والذين لم يبيعوا الماتش فقط بل باعوا التيران أيضا وباعوا البطولة بأكملها؟
المهداوي يخوض مند مدة باستماتة عجيبة معركة فردية عزلاء من أجل تسليط الضوء على فساد القضاء بينما الجميع يتفرج. بعد ذلك يأتي شخص رأسه أكبر من الكرة الأرضية له حساب باسم مستعار على فيسبوك عوض أن يكون له حساب في البنك بعد أن يشرب طاسة حريرة كاملة ويتجشأ يكتب تعليقا كهذا للمهداوي: بانت حقيقتك يا خائن يا عميل.
يتبادر إلى ذهني سؤالان محيران:
1 ) إذا كان العماري تاجر مخدرات ومافيوزيا كبيرا وباطمانا كما يصورونه لنا لماذا إذن لا يزج به بنكيران في السجن؟ لماذا لا يثبتون ضده هذه التهم وينظفون المغرب من أمثاله؟ لماذا لا يتحرك وزير العدل ضده عوض أن يتحرك ضد بعض القضاة الذين عبروا عن آرائهم فقط؟ لماذا يقبل بنكيران وباقي زعماء الأحزاب على رأسهم شباط دخول الانتخابات إلى جانب بارون مخدرات وبعد ذلك خلق تحالفات معه بعد الانتخابات من أجل تقسيم المغرب بينهم جميعا إلى قطع كعك؟ ألا يعتبر المتحالف مع تاجر المخدرات تاجر مخدرات هو أيضا؟ ما الذي يمنع الحكومة من إثبات تهم الفساد الموجهة إلى العماري؟ وكيف سيثق المغاربة في حكومة وسياسيين جلسوا على كراسي السلطة وكراسي سياراتهم الفارهة خمس سنوات دون أن يستطيعوا إلقاء رجل واحد غامض غموضا سينيمائيا كالعماري إلى السجن؟ بل على العكس تقوّى العماري أكثر في هذه الخمس سنوات وسطع نجمه أكثر. هذا يعني شيئين لا ثالث لهما، إما أن كل تلك التهم باطلة؟ وإما أن الحكومة تشرعن الفساد والجريمة وعوض أن تواجهه تواجه الأساتذة المتدربين بالزرواطة وتواجه الفقراء بالتفقير أكثر وهذا كله لصالح ذلك الفساد؟.
2 ) لماذا كلما اشتعلت شمعة في عتمة هذه البلاد نسارع إلى إطفائها؟ لماذا نترك كل الأجهزة الإعلامية من تلفزيونات وجرائد ومواقع استرزاقية ونوجه النقد اللاذع والتخوين لصحفي أعزل يملك سيارة مخرخشة وبيتا مكترى وموقعا إخباريا داخل حاسوب؟ هل يجب على المهداوي أن يكون صوتا للنهج الديموقراطي أو للاشتراكي الموحد أو للحمقى كي لا يعتبر خائنا؟ بينما المفروض في الصحفي أن يكون صوت ضميره وقناعاته الشخصية والمهنية فقط. هل كنتم تنتظرون من المهداوي أن يقود ثورة في المغرب ويقلب النظام كي يمنحه للفقراء وللقاعديين الرومنسيين المخلصين لكوفية فلسطين ولحية تشي غيفارا وسيجارة ماركيز وقد خذلكم أخيرا بجلوسه مع العماري؟ ناسين أو متناسين أن المغرب على أبواب الانتخابات وأن أغلب المغاربة سيتحولون بعد أسابع قليلة إلى "دي باميست" منهم من سيترشح ومنهم من سيصوت ومنهم من سيزكي ومنهم من سيلتقط الصور مع جرارات ومنهم من سيفتح بيته للنصابين الكبار من قياديي الحزب ومرشحيه ومنهم من يطبخ الكسكس بسبع خضار ومنهم من سيفتح كراج بيته للاجتماعات ومنهم من سيذبح الخرفان ومنهم من يحضر الدقايقية ومنهم من سيتختن ابنه والآخر يعرس لبنته والآخر يبني سورا ناقصا والآخر يرمي الضالة وشباب لا أحد يعرف من هم ولا من أين أتوا سيرتدون بذلات على ظهرها جرارات ويطوفون الأزقة مقابل زرقالاف لليوم الواحد.
من هم إذن هؤلاء الأشباح الأكثر واقعية من كل الخطابات والكتابات الصحفية والتنظيرات؟
هل تعرفون حقا ما الذي تستطيع زرقالاف واحدة أن تفعله فينا؟
إننا شعب يعشق الزرقالاف، يموت في دباديبها، يفديها بنفسه وروحه وبأولاده، يتوفى عليها، يتقطّع عليها، يقف عاريا على قمة جبل توبقال ويصرخ: زرقالاااااف راني تنبغيييييك زرقالااااااااااااااااااااااف رانيييي تنحماق عليك..
أعجبنيإظهار مزيد من التفاعلات