حلّ الهيني على أصيلة، لمرتيّن، دون أن أتمكّن من ملاقاة الرجل والجلوس معه عملا بالقاعدة الذهبية القائلة "والعيان ليس كالإخبار". ويهمنّي أن أركّز على المرة الأولى التي كنت فيها بالدار البيضاء رفقة الصديق الأعز الأستاذ المحامي الطيب العلمي العدلوني الذي أخبرني بعد اللحظة الهاتفية، مع الهيني، كيف أن جميع المحاميين ممن يعرفّهم صديقي تضامنوا مع القاضي الهيني أو بالأحرى "القاضي العفيف والشريف" كما راح يطلق عليه من قبل المنابر الإعلامية التي تحترم واجبها المهني والأخلاقي والإنساني. شخصيا لا بد من الاعتراف بأن مجال اهتمامي بعيد، ويرتكز بالأساس على التراث الأدبي والفكري ودراسات الاستعمار والدراسات الثقافية، ولذلك لا يمكنني التعليق أو الاعتراض أو النقاش... إلخ.

غير أن كل ذلك لا يمنع من التأكيد على أهمية الهيني، وبخاصة من ناحية الخروج إلى مجال "الرأي العام" من خلال مقالات مقتضبة وواضحة ولا مجال فيها للف والدوران، وكل ذلك في دلالة على أن الرجل يقرأ ويقرأ. ومن دون شك أن الرجل يؤدي فاتورة هذا الخيار، الصعب، وبخاصة في بلد يرى في خيار من هذا النوع ما يزحزح ويخلخل. وهذا بالإضافة إلى سجّل الرجل وتعيينا في النطق بأحكام غير مسبوقة في تاريخ القضاء بالمغرب.

والمؤكد أن هناك من تضامن مع الرجل، ومن خارج ملعب القضاء والمحاماة. وهؤلاء الذي تضامنوا مع الرجل اعتادوا على التضامن مع جميع القضايا العادلة مقالا ونزولا للشارع. وأهمية الهيني، من منجزه طبعا الذي يمكن اختزاله في قول "لا" كبيرة وغير مرغوب فيها وفي مجال لا مجال فيه لهذه الـ"لا" وأسواء الصغيرة والكبيرة.

لأوّل مرّة راح المغاربة يباشرون قاضيا يدير ملفه باقتدار وبقناعة وأخلاق، في الفضاء العام، ومن موقع المثقف والأيقونة والقيمة، وعلى انحو الذي لفت الأنظار إليه بشكل غير من مسبوق ومن داخل المغرب وخارجه،. ومن دون شك هناك من أراد التشويش عليه من "البوّاقين" (بلغة العراقيين) المعهودين بتبييض الأسود وتسويد الأبيض بمقالات ركيكة ومأجورة وقبل هذا وذاك "فاسدة" فساد أصحابها والأمكنة التي تصدر عنها. وظني أن الرجل من النوع الذي لا يمكنه أن يكون بدون مستقبل. ذلك أن "الظلم" كانت نتائجه معكوسة في أكثر من حالة. صحيح أننا لا نلك من غير الكلمة، لكنها الكلمة الضرورية والأساسية. وما أكثر الكلمات التي ناوشت التسلط والمتسلّطين.

وإن من انتصر للهيني، كذلك، هو الشارع باعتباره "برلمان الشعوب العربية الجديد".