عندما يُندد حميد شباط، الأمين العام لحزب "الاستقلال" بفيلم نبيل عيوش "الزين اللي فيك"، فليس من أجل المرأة المغربية والوطن كما زعم يوم الأحد الماضي بـ"إيموزار مرموشة"، بل من أجل أصوات انتخابية أراد استمالتها بهذا الموقف، بعد أن تابع الجدل الكبير الذي أثاره هذا النقاش داخل الصفحات الاجتماعية والمواقع الإلكترونية، وإلا لماذا جاء موقفه متأخرا جدا؟
شباط أدرك بحسه السياسي أن مُعظم مهاجمي الفيلم هم ممن يشاركون في الانتخابات، لهذا فموقفه سياسي لا علاقة له بمصلحة المرأة والوطن، إذ لو كان هاجسه فعلا هذه المصلحة، لانتفظ على التصريح المُسيء للمغرب والمغاربة، الوارد على لسان خديجة الزومي النقابية والسياسية البارزة داخل حزبه، بعد أن قالت داخل البرلمان، قبل شهور، إن "الدعارة في المغرب تساهم في ميزانية الدولة"!

السؤال هو: لماذا يقبل حزب "الإستقلال" وغيره ممن هاجُوا ضد الفيلم، الدعارة في الواقع المغربي ويتعايشون معها، ويرفضونها بهيجان شديد و"داعشية" كبيرة، حين تكون فقط عملا فنيا متخيلا ضمن فيلم سينيمائي؟

مهمة الفن التاريخية، والسينما جزء منه، أن يصلح أحوال الانسان ويشير إلى التشوهات داخل المجتمع، وأن يستفز الحاكمين والمسؤولين بالحقائق المرة داخل الواقع المعاش، بغاية إصلاحه ومواجهة أعطابه، كما أن الفن بمثابة جرس ينبه المجتمع إلى عاهاته ومعضلاته لإيجاد حلول لها، غير أن عظمة الفنان ومهارته، وهنا نختلف مع عيوش، تكمن في الإشارة إلى هذا الواقع وتنبيه الناس إليه، دون التورط في توظيف أساليب تصدمه مع المجتمع، فحين يقول الروائي المصري إحسان عبد القدوس في إحدى قصصه: "ودخلت البيت فتاة وخرجت منه أمرأة" فإنه ينقل صورة عن واقع دون أن يتورط مع القارئ في الأسلوب المباشر.
جميل جدا أن يشير عيوش إلى واقع الدعارة في المغرب ويُذكر المجتمع بها، باعتبارها معضلة من المعضلات الاجتماعية الخطيرة، دون التورط مع هذا المجتمع باستعمال أسلوب مباشر، يمنع كل واحد من الاستمتاع بمشاهدة الفيلم مع والديه وأساتذته وإخوته، مادام هذا العمل الفني في آخر المطاف موجه للأسرة المغربية...

يرى إحسان عبد القدوس أن إبراز عيوب المجتمع أمر ضروري "لكي يحس الناس بأن أخطاءهم ليست أخطاء فردية بل هي أخطاء مجتمع كامل، أخطاء لها أسبابها وظروفها داخل المجتمع، ونشر هذه العيوب، بحسب نفس الروائي :"سيجعل الناس يسخطون وسيؤدي بهم السخط الى الاقتناع بضرورة التعاون على وضع تقاليد جديدة للمجتمع تتسع للتطور الذي يختاره وتحمي أبناءه وبناته من الأخطاء التي يتعرضون لها نتيجة هذا التطور". ثم يضيف إحسان قائلا: "وهذا هو الهدف الذي حققته قصصي، لقد بدأ الناس يسخطون ولكنهم بدل أن يسخطوا على أنفسهم وبدل أن يسخطوا على المجتمع سخطوا على الكاتب، أي سخطوا علي أنا..!"

مشكلة عبد القدوس باتت اليوم هي مشكلة عيوش؛ حيث بدل أن يسخط الناس على أنفسهم وعلى المجتمع وعلى صانعي الدعارة والساهرين على استمرارها ورعايتها في المغرب راحوا يسخطون على المخرج، وكأنه صنع عملا فنيا لا أثر له في الواقع المغربي، علما أن ما تسرب من الفيلم يقل بكثير عن الواقع الحقيقي الذي يعرفه القاصي والداني.

ففي كل المدن المغربية، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، توجد مظاهر دعارة، ومع ذلك لم تُثِر هذه المظاهر حفيظة شباط وشبيبة حزبه، وحين نقل فنان صورا من مظاهر هذه الآفة، انتفظ شباط ومريدوه، فأيهما أحق بالاحتجاج ضده: هل الواقع أم صورة الواقع؟
عندما مُست المشاعر الوطنية في العمق وأسيء للطفولة المغربية عقب صدور قرار العفو الملكي عن البيدوفيل الإسباني مغتصب الأطفال المغاربة، كانت هواتف الجميع ترن إلا هاتف حميد شباط، الذي ظل إما خارج التغطية أو مغلقا، واليوم يخرج المعني وشبيبته ليتحدث عن الإساءة للوطن وللمرأة المغربية، فأين كانت هذه الغيرة حين كان الشعب يهيج شمالا وجنوبا، غربا وشرقا، ضد ذلك القرار الملكي؟ ثم أين اختفت غيرة شباط وشبيته على الوطن والدين والأخلاق حين ظهرت أمام ملايين المغاربة، مُغنية أجنبية بتُبَّان على القناة الثانية، خلال تقديم الأخيرة مقتطفات من إحدى سهرات موازين، لماذا لم يُدن شباط المشهد ولا دعا شبيبته للتظاهر امام البرلمان، أم يخشى إزعاج "لاعبين" كبار داخل مربع القرار؟

كمْ حكومة مغربية شارك فيها حزب شباط، منذ "الاستقلال" إلى اليوم، فما الذي منعه من مواجهة الدعارة في المغرب، ومواجهة كل المظاهر المخالفة لتعاليم الدين الإسلامي؟ أليس الحزب أحد المسؤولين الأساسيين عن تفشي هذه المعضلة الخطيرة داخل المجتمع؟ من ضحك على 30000 مغربية ومغربي في جريمة "النجاة" أليس حزب شباط؟ ماذا ينتظر "الاستقلال" من مواطنة فقيرة اغتصبها في مبلغ 900 درهم، كثمن لإجراء فحوصات طبية إضافة إلى مصاريف أخرى تتعلق بشراء حقيبة وملابس...، مقابل وهْم العمل في الإمارات، ماذا يتبقى لهذه الضحية غير "بيع لحمها"؟ ألا يتحمل الحزب إذن مسؤولية تاريخية في هذه الآفة؟

لو كان فعلا شباط يفكر في مصلحة المرأة المغربية والوطن لما بنى فيلا بنواحي مدينة سلا بدون ترخيص، ولما قبل مشتبه بهم في نهب ملايير المال العام ضمن أعضاء لجنة حزبه التنفيذية، ولما تبادل اللكمات مع برلماني داخل مؤسسة دستورية، ولكشف للمغاربة عن أدوات الفساد والتحكم التي يعرفها جيدا، بدل أن يلعب دور "الكومبارس" في "مسلسل" سياسي رديئ الإخراج، يوهم فيه، من موقعه، بأن رئاسة الحكومة مُؤسسة قائمة الذات ولها صلاحيات واسعة، وأن العيب فقط في شخص اسمه عبد الإله بنكيران، لا يجيد إدارتها، وهو يعلم علم اليقين أن بنكيران لا يستطيع تغيير حتى " جواربه" دون موافقة مستشاري الملك، فبالأحرى أن يغير واقعا متخما بالتشوهات والجراح والمعضلات الإجتماعية، مع التذكير بأن حزب "شباط" أحد أكبر المتورطين في صناعة هذا الواقع منذ مشاركته في التوقيع على اتفاقية "إكس ليبان" مرورا بسنوات مشاركته في الحكومات المغربية المتعاقبة.

السيد شباط:

إن أكبر إساءة للوطن والمرأة المغربية هي تهييج مشاعر المواطنين بلقطات مستفزة لإظهار "داعشية" المجتمع بغاية تبرير تمرير القانون الجنائي وقانون الإجهاض، وإلهاء الشعب لربح مزيد من الوقت السياسي الرسمي، خاصة وأن "آل عيوش" يروج عنهم بأنهم من المافيات التي لها ارتباط بأجندات خارجية، وبأنهم راكموا الثروة على "ظهر" المغاربة، سواء عبر "جمعية 2007 دابا" أو عبر اللوحات الإشهارية أو عبر الدعم الذي كان يتحصل عليه عيوش من وزارة الاتصال، الإساءة الأبلغ هي حماية شبكات الدعارة الراقية بالنظر لما تذره من مداخيل على أصحابها، وتحريف النقاش من واقع معاش إلى فيلم مصور، أما الإساءة الأفظع فهي الصمت على مئات الحانات والعلب الليلية مفتوحة في وجه مغربيات ومغاربة قاصرات وقاصرين، طيلة السنة ولسنين طويلة في دولة يؤكد دستورها في فصله الثالث على أن " الإسلام دين الدولة".
بكلمة، السيد شباط دعارتكم أزكم...والسلام...