ماذا يعني أن يقول الناطق الرسمي بإسم الحكومة المغربية مصطفى الخلفي بأنه سيراسل "الهاكا" و لجنة الاخلاقيات بالقناة الثانية على خلفية بث القناة مساء الجمعة 29 ماي، لمشاهد صادمة للشعور الوطني والديني والاخلاقي، من خلال غناء مغنية أمريكية وهي شبه عارية دون أن تتوقف عن إبداء حركات تتضمن إحاءات جنسية واضحة؟ وماذا يعني أن يخص الوزير نفسه فيلم عيوش ببيان رسمي عممه على معظم الصحافة الوطنية فيما اكتفى امام فضيحة جينفير لوبيز بتدوينة على صفحته الخاصة تلزمه لوحده؟ ثم ماذا يعني أن تنتفض المعارضة في شخص حزب "الاستقلال" بسؤال في البرلمان ضد بث القناة الثانية لتلك المشاهد فقط وتتغاضى عن وجودها فوق منصة السويسي؟

يعني أن السيد الوزير وحكومتهم الموقرة والمعارضة "المحترمة" ليس لديهم جميعا مشكل مع إشاعة العراء والفاحشة في شوارع الرباط وفوق منصة السويسي، المهم أن لا تدخل الفاحشة البيوت المغربية عبر القناة الثانية؛ لأن ذلك يُهيج المشاعر الاخلاقية والدينية والوطنية للمغاربة، فتثور ثائرتهم ضد الحكومة، وهو ما لا يخدم المصلحة الحزبية للسيد الخلفي ورفاقه في الحكومة، خاصة وأن الانتخابات على الأبواب، ما يقتضي الخروج بتصريح أو على الأقل تدوينة على الفايسبوك لذر الرماد في العيون، وهو نفس الهاجس الانتخابي الذي يحرك المعارضة بدليل صمتها عن الفاحشة فوق المنصة وعدم انتقادها لمن يقفون وراء المهرجان ككل ؟

السيد عبد الصمد الإدريسي البرلماني عن نفس الحزب بدوره لم يبخل على العيون بدر بعض الرماد عليها، بعد أن تابع على الفايسبوك والمواقع الإلكتورنية النيران وهي تشب في "تلابيب" حزبهم، حين اعتبر على صفحته مهرجان موازين، منكرا، وبأنه لا الحكومة ولا "الرعاية السامية" يمكن أن تمنعهم اليوم من التعبير عن رفضهم لهذا المنكر.

وقبل السيدان الخلفي والإدريسي كان السيد خالد الرحموني وهو من قادة الحزب قد "در" بدوره بعضا من الرماد علي العيون، عندما طالب على صفحته الخاصة زميله مصطفى الخلفي بتقديم استقالته، أما زميلتهم البرلمانية ماء العينين فقد ذهبت أبعد من ذلك حين تساءلت عن الجهة التي تسعى إلى إحراج "البجيدي" واستفزازه، وكأن رئيس هذا الحزب لم يتحرش علانية وامام زوجته بامرأة ولا تغزل بقيادية بارزة من جماعة "العدل واإحسان" بحسب الزميل علي المرابط.

قبل يومين لامني صديق عزيز على انتقادي لبنكيران بدل الملك من خلال افتتاحية جاءت تحت عنوان "الملك وبنكيران...هل انتهت سبع أيام ديال الباكور"، مثل هذا الصديق وغيره كثر تنطلي عليهم حيلة أن بنكيران يقاوم ما يسمونهم بالتماسيح او العفاريت أو الدولة العميقة، ويرون في كل نقد لبنكيران خدمة مجانية للملك من اجل بسط الأخير مزيدا من نفوذه على دائرة القرار على جميع الأصعدة.

حين خرج المغاربة إلى الشوارع المغربية مطالبين باسقاط الفساد والاستبداد، كان فريق من "البجيدي" "يكوي" إلى جانب نشطاء حركة "20 فبراير"، بينهم السادة الإدريسي وبوانو والعثماني والرميد، الذي تحدث آنذاك عن "التعذيب" داخل ما يسمى بـ"معتقل تمارة السري"، فيما فريق آخر كان "يبخ" أبرزهم عبد الإله بنكيران، الذي وصف النشطاء بـ"الطبالة والغياطة"، ما يفيد أن ماقام به السادة الخلفي والرحموني والإدريسي والسيدة ماء العينين، اليوم، على صفحتاهم الإجتماعية، هو فقط ترجمة لفلسفة سياسية لدى الحزب، يلجأ إليها عند كل منعطف تاريخي أو حين يجد نفسه في مفترق طرق. بالله عليكم من هو الأحمق الذي سيصدق أن برلمانيا مثل الإدريسي سيجرؤ على تحدي "الرعاية السامية" دون تلقي ضوء أخضر من بنكيران، الذي يستحيل بالبث والمطلق أن يؤشر لقواعده على مثل هذه الخرجات دون تأشير من جهة داخل القصر الملكي!

تفيد دروس التاريخ أن النظام السياسي المغربي حين "يرى العين حمرا" يتنازل، فعندما انتفض الشعب المغربي سنة 1965، أطلق الملك الراحل الحسن الثاني عفوا على العديد من المعتقلين السياسين أبرزهم مومن الديوري والفقيه البصري وعمر بنجلون، الذين كان محكوما عليهم بالإعدام، وحين حاول العسكر الإنقلاب عليه رفع شعارات "المسلسل الديمقراطي" و"السلم الإجتماعي" و"الإجماع" وباشر بعض الإصلاحات الزراعية، وحين انتفظ عليه العمال بفاس سنة 1990، دعا الكتلة سنة 1993، إلى قيادة الحكومة برئاسة الاستقلالي امحمد بوستة الذي رفض احتجاجا على وجود ادريس البصري، قبل أن يطلق عفوا على العديد من المعتقلين السياسيين، ولما تأكد الملك من وفاته القريبة قبِل بدخول الإتحاديين لقصره، وعندما رأى ولده محمد السادس الشعب يهيج ألما بسبب العفو على البيدوفيل الإسباني، لم يتردد في تقديم إعتذار للشعب بل ومعانقة آهالي الضحايا داخل قصره، لكن بالمقابل، حين يرى النظام إمكانية لمزيد من التحكم والتسلط ويقتنع بضعف الحركات الإحتجاجية وتراجعها فإنه لا يتردد في التقدم، ولو بشكل مخيف، كما يجري الأمر مع "شخص خواف" لدى إسقاطه لشخص يراه أقوى منه، فإنه لا يتوانى في توجيه اأقوى الضربات إليه مخافة أن ينهض ويثأر لنفسه.

تصوروا، فقط عبد الإله بنكيران يغتنم فرصة هيجان الشعب المغربي ضد جنيفير لوبيز، و يقدم استقالته للملك في هذه الظروف العصيبة والاسثتنائية، حيث شعبية "الاستقلال" و"البام" و"الإتحاد الإشتراكي" في الحظيظ، كيف سيتصرف الملك، هل سيعلن حالة الاستثناء ويجمع كل شيء بين يديه؟ هل سيراهن على أحزاب "الحركة الشعبية" و"الإتحاد الدستوري" و"النهضة والفضيلة" و"الأحرار" لتدبير الشأن العام، طبعا سيفتح مفاوضات مع بنكيران لصياغة قواعد لعب جديدة لصالح الديمقراطية.
لكن، بالله عليكم، أي حكومة مغربية سابقة جرى خلالها عزل قضاة شرفاء بقدر شرف القاضيان محمد عنبر والقاضي محمد قنديل كما جرت معاقبة قضاة لا يقلون عنهم شرفا أمثال القاضيان محمد الهيني وعادل فتحي وغيرهم كثير؟ في أي حكومة مغربية سابقة جرى اقتحام حرمة جمعية مغربية من طرف قرابة أربعين رجل أمن، ومنع أزيد من 80 نشاطا لهذه الجمعية بلا حسيب ولا رقيب؟ في أي حكومة مغربية سابقة سالت دماء رجال التعليم في شوارع العاصمة؟ في أي حكومة مغربية قضت أطر معطلة شهورا داخل السجن؟ في أي حكومة مغربية سابقة حُجب موقع لا لشيء سوى لأدائه وظيفته، فيما محاولات أخرى تجري لحجب مواقع اخرى فقط لأنها رفضت أن تخون رسالتها الصحافية؟ في أي حكومة جرى كل هذا غير حكومة بنكيران، حتى يجوز الحديث عن وجود جهات تسعى لإحراج "العدالة والتنمية"، الذي يتفرج على تشميع بيوت قادة العدل والإحسان ظلما وعدوانا ويرفض الترخيص لحزب "الأم" وحزب "البديل" الحضاري دون وجود أي حائل قانوني، بل ويجوز الحلم بتقديم استقالة رئيسها للملك نصرة للوطن والمغاربة ضد جريمة مساء الجمعة.

بنكيران وحزبه باتوا اليوم جزءً من النظام الحاكم في المغرب، بعد أن جعلوا كل برنامجهم الحكومي التماهي مع النظام والبحث عن الرضى الملكي، مهما كان حجم التضحية بذلك، وقد عبر عنها صراحة بنكيران في أكثر من مناسبة "الملك هو من يحكم في المغرب" بما يفيد أنه بلا مشروع حتى يجوز الحديث عن صراعه مع طرف ما داخل السلطة، كما أن العارفين بخبايا النظام المغربي يعلمون أن أي حزب أراد قيادة الحكومة فعلى زعيمه أن يعقد جلسة سرية مع "أهل الحل والعقد"، مباشرة بعد إعلان فوزه بالإنتخابات، حيث يجري الاتفاق على الأمور التي يستحيل الحديث فيها أو التطاول عليها بينها السياسة الخارجية والصحراء وموازين وغيرها من المواضيع الحساسة، وحين يخرج السادة الإدريسي والرحموني وماء العينين والخلفي للحديث عن موازين، فلن يخرج الأمر عن امرين إما أن بنكيران رأى في حضور زوجة الملك ونجليه للحفل انتصارا للتيار الذي يشاركه لعبة الصراع، وإما أن النظام أدرك إمكانية خسارة "البجيدي" لرصيده أمام الشعب المغربي، وهو حليفه التكتيكي على الأقل في الست السنوات القادمة في أفق إيجاد حليف آخر يؤدي نفس الدور الذي أدّاه الإتحاد الإشتراكي طيلة 10 سنوات ويؤديه اليوم بنكيران" قبل أن "يقتلع الهمة حزبه من جذوره الشعبية ويقصيه من الساحة السياسية، ثم يرميه إلى مزبلة التاريخ" مثلما حذره بالحرف المحلل الإقتصادي ادريس بنعلي في حوار له مع يومية "المساء" في عددها ليوم الجمعة 18 ماي من سنة 2012.

بكلمة، بنكيران وفريقه لا يوجدون في الحكومة من أجل الوطن والمغاربة، بل من أجل أنفسهم فقط، إذ لو كانوا يوجدون هناك حقا من أجل الوطن والمغاربة لوضعوا استقالتهم أمام الملك، مباشرة بعد ظهور هذه المغنية الماجنة على منصة السويسي، وآنذاك سترون الأزمة التي ستعصف بالنظام، فإما سيجثت أعداء التغيير ويبعدهم عن دوائر القرار، ويمكن بنكيران من صلاحيات أوسع لمباشرة مهامه وإما سيحكم النظام على نفسه بالموت، خاصة وأنه لا "البام" ولا "الإتحاد الإشتراكي" ولا "الإستقلال" يملكون ذرة من المصداقية في أعين الشعب المغربي، بفعل جرائمهم القديمة في حق الشعب وبفعل الخرجات الناجحة لرئيس الحكومة ضدهم خاصة داخل البرلمان، فلذلك نقول لكم السيد بنكيران .. "كون راجل غير هاد المرة"..