عبد العزيز العبدي

كنت أود تحيتك بالإسم الرسمي الذي وفدت به إلى بلدنا، أي المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، لكن وبعد توشيحك بالوسام العلوي من درجة ضابط من طرف ملك البلاد، يستحسن تحيتك بالجنيرال نافي بيلاي، على اعتبار أنني لا أتصور رتبة أقل من جينرال تليق بك، أو تحيتك بالشريفة، على اعتبار أن الوسام علوياً، ونحن دأبناالمناداة على المنتسبين إلى العائلة العلوية بالشرفاء، فالرجل منهم شريف والمرأة شريفة....
لا أدري ما الذي ناقشتموه رفقة المسؤولين المغاربة فيما يخص حقوق الإنسان، التصريح المقتضب الذي تسرب إلى وكالة الأنباء الرسمية يشير لإشادتكم بدستور مملكتنا الذي لا يشبه أي دستور، وأشدتم بالتعامل المتقدم الذي يلقاه المهاجرون الأفارقة من طرف سلطات البلاد.... دون ذلك، نحن نرفل في مناخ من الحرية واحترام حقوق الإنسان لا تعرفه بلدان أخرى، أكثر تقدما منا.... واقع يشهد عليه صمتكم، أو ربما يشهد عليه حذف الكلام من تصريحكم...
في مملكتنا السعيدة، نعيش الحرية بمعناها الحقيقي، نحن أحرار في أن نجوع، في أن لا نعمل وفي أن لا ندرس... لا أحد يجبر أطفالنا على الدراسة، ويحترمون حريتهم المطلقة في اختيارهم الطفولي، أن يظلوا أميين كما يريدون وكما لا يستطع أباءهم تعليمهم....
في مملكتنا السعيدة أيضا، طوينا ملف سنوات الرصاص، وزعنا القليل من المال على بعض الضحايا، واتفق الجميع على نسيان ما جرى... نسيانه لا عدم تكراره... نسيانه، كي نبدأ صفحة جديدة مما جرى، شكل جديد من الاعتقال ومن القتل العشوائي ومن الاضطهاد...

لا أدري سبب زيارتك لمملكتنا، اللهم إذا كانت فقط لتلبية دعوة التوشيح هذه، دون ذلك، أؤكد لك، أن القائمين على شؤوننا يحترمون حقوقنا بشكل دقيق وغير متصور، وأن ما من مواطن مغربي تخرق حقوقه، إلا وينال المسؤول عن هذا الخرق جزاءه.... بعض الجزاءات تكون قاسية، إذ ينقلوه من وضع في المسؤولية إلى وضع أحسن، وهو ما يسبب لهذا المسؤول عذاب لا يمكن تصوره....

فقط وأنت تستيقظين في غرفة فندقك، الفخم بلا شك، هذا الصباح، نزل خبر وفاة مواطن في مخفر الشرطة بمدينة الحسيمة، وهي مدينة شاطئية جميلة على حوض البحر الأبيض المتوسط... لا تنزعجي بهذا الخبر، وداخلت عليك بالبزيزيلة ديال الوالدة، أن لا يعكر هذا الخبر انتشاءك بحمل الوسام العلوي، هو فقط شاب كان ثملا وهو يقود سيارته ولا يتوفر على الأوراق الثبوثية، أوقفته الشرطة، وتعاملت معه بشكل لائق جدا، لكنه كعنيد، قرر أن يموت في مخفرها... لم يعذبه أحد، ولا يوجد أثر تعنيف على جسده... فقط حين مات، أراد توريط الدولة، ولا ندري كيف رسم على جسده كدمات وجروح.... حتما فعل ذلك، لعلمه أنك تزورين بلدنا، وربما لرغبته في تعكير مزاجك الرائق وأنت تتوشحين بالحمالة الكبرى لمملكتنا السعيدة....

قبل مجيئك بأكثر من شهر ونصف، نظم بعض النقابات مسيرة مشتركة، دعت إليها كل الشعب المغربي... بعض الشباب، سامحهم الله، اعتقدوا عن خطأ، أنهم من ضمن الشعب المغربي، انظموا قسرا للمسيرة، ورفعوا شعاراتهم بكل حرية.... لم يقمعهم أحد ولم يصادر حقهم أحد إلى درجة أنهم لم يستسيغوا أجواء الحرية والديمقراطية السائدة في البلد، فاتفقوا على الاعتداء على رجال الشرطة، هؤلاء الذين كانوا يحرسون المسيرة من التساقطات المطرية، وجدوا أنفسهم محاصرين بالشباب الذي لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب، والذي انهالوا عليهم بالضرب والتعنيف... كان على الدولة أن تحمي رجال الشرطة المساكين، فاضطرت لاعتقال هؤلاء المذنبين، حيث اكتشفت أنهم ليسوا من الشعب المدعو إلى المسيرة، وقررت أن تحتفظ بهم حماية لهم من غضب المواطنين، وانتقاما لرجال الشرطة، طريحي الفراش، والذين قدموا شهادات طبية تتبث عجزهم لمدة شهر ويزيد....

قبل مجيئك أيضاً بأقل من أسبوع، وخلال مبارة في كرة القدم جمعت فريق الحمامة التطواني، والذي توج بطلا لهذا الموسم، وفريق الرجاء البيضاوي، بطل الموسم السابق، ضبطت الشرطة شابا وهو يضارب بتذاكر المقابلة.... ولإن الدولة حريصة على شفافية اقتصادها، فإنها مثل كل الدول الديمقراطية، تضرب بيد من حديد، على كل من سولت له العبث بشفافية السوق وحريته، مما اضطرها لتوقيف هذا الرعيع، وايداعه السجن... هذا التوقيف الذي شوش على سياستها في محاربة المضاربة وكل أشكال الريع الإقتصادي، بدءً بعدم تمكنها من ضبط هؤلاء الذين باعوا 3000 تذكرة التي أصبحت في حوزة التطوانيين، وصولا إلى إفلات أصحاب المقالع ورخص الصيد في أعالي البحار، ومنتفعي الوضع في الصحراء، وسماسرة المأذونيات وغيرهم من الفاسدين... وذلك بسبب ادعاء هذا الموقوف أن اعتقاله كان بسبب غناءه الذي يشتم فيه الدولة، لا التذكرتين اللتين كانتا بحوزته وشكلتا حجة لإدانته....

الشريفة، الجنرال نافي بيلاي، هنيئا لك بالوسام الملكي.... ولا تنزعجي بأخبار يتداولها بعض المواطنين السيئين.... فنحن والحمد لله، لنا دستور جد متقدم، ونعامل المهاجرين الأفارقة بشكل جد لائق....