الأمراني علوي محمد

إن النبش في موضوع السياسة و السلطة و البحث عن العلاقات التي تجمع بينهما هل هي علاقات اتصال أم انفصال؟ لا يجب أن يكون بمنظور سياسي محض بل لا بد من تناوله بمجهر انتروبولوجي و سوسيولوجي و سيكولوجي... وتعدد المقاربات لا يعد عسر في التناول و التفكيك و الاستجلاء، بل يعتبر غنى و الماما بمقدر ما بالموضوع قيد الدراسة و التمحيص.
وتفيد "السياسة في العمق تصارع الذوات من أجل تملك مجموعة من السلط باسم الجمهور و ‹ لمصلحة › الجمهور، وكما عرفها أحد علماء الاجتماع السياسي، فالسياسة هي مجال صراع الأفراد و الجماعات حول تملك السلطة وما يرتبط بها من تملك لتوجيه اختيارات المجتمع ومن تملك للخيرات و المصالح، فجوهر السياسة هو التصارع من أجل حيازة السلطة و الاحتفاظ بها و إدارتها في توجيه الاختيارات التي يتعين أن يسير فيها المجتمع وفق إرادة من تمثلهم هذه السلطة وكذا استعمالها في توزيع الثروات و الخيرات المادية و المعنوية حسب هذه الاختيارات." والسياسة كذلك هي "الحياة المشتركة الموسومة بالصراع وذلك تحت سيطرة الدولة و تحت مراقبتها. السياسة هي فن أخذ السلطة و الحفاظ عليها و استعمالها، إنها فن اقتسام السلطة، ذلك أنه ليس ثمة في واقع الأمر طريقة أخرى لامتلاك السلطة. ويخطئ من يرى في السياسة مجرد نشاط هامشي سهمه و نصيبه الاستهجان و الازدراء."
في مقابل مفهوم السلطة، "ظل التاريخ الإنساني حافلا بالتفكير في بلورة البناءات النظرية حول السلطة من خلال التفصيل في مقوماتها ومكوناتها ومكنونها الداخلي ،وبعدها الوظيفي وتشكلاتها وأنماطها وتأثيراتها ،وتمخضت عن ذلك العديد من الدراسات التحليلية التي تختلف وتتعارض في حين ،وفي أحايين أخرى تتجامع وتتكامل حول تفسير السلطة ،وظل أيضا تحليل المكونات والبناءات النفسية للسلطة ركنا حاضرا ونالت نصيبها من التمحيص والتدقيق ،وبالتالي أصبحت جل الانتاجات الفكرية متعددة الأبعاد ،وشملت مقاربات مختلفة ومتشعبة لإحداث نسقية مفهومية للسلطة سواء على مستوى ظاهرها أو على مستوى باطنها وكامنها."
"ومن خلال المنظور التحليلي النفسي يبدو أن السلطة ليست سيطرة طبقية مسلطة على الرقاب كما تتصورها النظرية الماركسية، و ليست عنفا أضيفت عليه الشرعية الاجتماعية كما يرى فيبر،بل هي من حيث جذورها السيكولوجية، استجابة لحاجة بشرية عميقة في النفس الإنسانية، حاجة إلى الخضوع ولذة في الاستمتاع بالسيطرة. و السلطة في حد ذاتها لذة مركبة أي محصلة للذات الجزئية الأخرى، لذة المال و الجاه و الاستمتاع بكل خيرات الطبيعة وبكل الخيرات البشرية، لكن أعظم لذاتها هي اللذة الميتافيزيقية العظمى المتمثلة في الشعور في التفوق و الارتقاء فوق مصاف البشر."
وتقعيدا على تعريف كل من السياسة والسلطة، يستشف أن السياسة والسلطة مفهومان متلازمان مترابطان، فالأولى بمثابة طريق سيار للوصول إلى كرسي السلطة ودواليب الحكم، ولعل اللهث و التسابق و التنافس على المناصب السياسية و التشاحنات السياسية، و كذا التحالفات السياسية الغير المبنية على أسس قويمة و التضحية بالغالي و النفيس في الحملات الانتخابية من أجل مقعد في البرلمان أو جماعة ترابية، علاوة على "تحول كراسي المناصب الوزارية محط سباق محموم بين كل الفاعلين ومحل رهان الجميع يصل فيه الأمر درجة بيع الذمة ،وتقديم التنازلات مقابل ولوج دوائر السلطة والتكرم بامتيازاتها ومنافعها باعتبارها الممر الطبيعي نحو الرقي الاجتماعي، وهذا ما يبين رهن الممارسة السياسية/الحزبية واحتكام التحالفات والاصطفافات إلى المقدار الكمي من المناصب الوزارية." خير برهان على أن المضمار السياسي يوصل المرء إلى ردهات و سراديب السلطة الحبلى بالامتيازات و المنافع و المكاسب.
وهذه هي المحصلة التي خرج بها السوسيولوجي محمد سبيلا بحيث اعتبر أن الأحزاب و الجمعيات السياسية أو ما يسميها بالقطاع السياسي الخاص، تقوم على إستراتيجية هدفها المركزي هو الوصول إلى كرسي السلطة ويسوَّغ هذا الهدف الذهبي لكل أطراف اللعبة السياسية باسم تطبيق البرنامج السياسي أو إصلاح أحوال البلاد و العباد، أو تحقيق التنمية أو الدفاع عن الهوية...
"إن السياسة فن يتكيف مع الزمان والمكان ولا يتأثر بهما، هي فن يرمي للريادة أو السيادة أو الحكم، وذلك بهدف إحكام دفتي السلطة والحكم إغلاقا أو فتحا حسب الأحوال، وحيثما هبت ريح السياسة تجد رجل السياسة كالمزارع بالمرصاد لاستغلالها أحسن استغلال لفائدته الشخصية والذاتية، أو لفائدة الحكم والسلطة والتسلط... وفي نظر باحث مغربي، إن السياسة لا تهدف دائما، إلى المصلحة العامة، بل قد تكون هذه المصلحة، هي ما يدع السياسيين إلى استغلال مواهبهم ومراكزهم وذكائهم لتحقيق مصالحهم، فكثيرا ما تم في المغرب، أو في دول العالم الثالث المتخلفة، الركوب على النضال السياسي أو على القيم الدينية... من أجل الوصول إلى غايات ابعد ما تكون عن تحقيق المصلحة العامة. ولنا في تاريخ المغربي المعاصر أمثلة على ذلك." ومنها مثال أحد الأساتذة الذي انخراط في حزب سياسي وحصل على ولايتين متتاليتين وهو الآن يصول و يجول و يجلس على مقعد وزاري. تصوروا معي انه ظل في مهنة التدريس دون الولوج إلى عالم السياسة على سيكون بمقداره حمل حقيبة وزارية؟
وإذا حاولنا الإيغال في الخطاب السياسي الغارق في اليوتوبيا وكثرة الوعود نجد أن الخطاب السياسي ظاهره جلب الخيرات للبلاد و العباد و الدفاع عن حقوق الناس، و لكن باطنه الدفاع عن المصالح الفردية/ الشخصية و الوصول إلى مواقع السلطة و التحكم، ولنا في المجال السياسي أمثلة واضحة جدا عن استغلال الخطاب السياسي في الحملات الانتخابية وانتقاء العبارات بكل احترافية و مخاطبة المستمع على حد مستواهم المعرفي و العلمي، وكيف يتحول الخطاب السياسي من مجال إلى أخر. وتبقى في النهاية غائية الخطاب السياسي التمويه و المواربة للوصول إلى كرسي السلطة و الاستلذاذ بعائداته.
إن الفرد يعي جيدا أن الوصول إلى مزرعة السلطة والعيش في خيراتها و ملذاتها و مكرماتها، لا سبيل لها سوى الظفر بعضوية داخل حقل السياسة، والتجنيد بكل الوسائل الممكنة، و الفنون ( فن الخطابة و الكذب و التضليل و المراوغة...)، ففي الحقل السياسي غاية الوصول إلى السلطة تبرر الوسيلة.