أبادر قبلا لاستباق أي تهجم أو استصغار أو احتقار إلى الإقرار، بأن الدكتور أحمد الريسوني ،عالم جليل وفقيه مقاصدي كبير، يحظى باحترام واسع في محافل العلم والمعرفة في مجال تخصصه على الأقل ،لكن لكل عالم سقطة أو زلة ،وكلما كثر سقطه قل احترامه بين الناس،وهذا للأسف حال شيخنا الجليل ،وخاصة عندما "يفتي" بالدين في السياسة، ومبدئيا لا غضاضة في أن يفعل ذلك ،لكن شريطة أن يغلب في فتاويه "المقاصد الإسلامية" وهو العالم بمضانها ،لا أن يغلب " المصالح السياسية الضيقة" ،فهذا لا يليق به كعالم جليل ،لأنه يظهره بمظهر المتاجر في الدين وحاشا أن يكون شيخنا كذلك ، ومبدئيا أيضا لا ضير من أن يكون الريسوني فقيها وسياسيا في نفس الوقت ، لكن الضير يقع عندما يتحول الفقيه الى خادم للسياسي ومبرر لأفعاله ، وفي تاريخنا القديم والحديث أمثلة لاتنقضي،وربما لهذا السبب يرفض البعض الجمع بين الموقعين ،أي بين الدين والسياسة ،لأن ذلك مظنة للاستبداد والظلم، وهذا مما يطول شرحه ،ويضيق مقامه .
لنعد-إذن- إلى شيخنا الدكتور أحمد الريسوني الذي لا يخفي ميوله السياسية وهذا حقه ،لكن شريطة أن لا يلبس مواقفه السياسية لبوس الدين والشرع ،وفي هذا الإطار نتساءل: هل وصف الشيخ الريسوني لاحتجاجات الأساتذة المتدربين المتمسكين بتعيينهم جميعا في التعليم العمومي ب "الغوغائية" و" الفوضوية" ،هو تقدير سياسي وقانوني مبني على قناعات معينة ،أم أنه فتوى دينية لنازلة اجتماعية ؟ من الصعب الفصل بين المستويين – وهنا وجه الخطورة- لأن السياسي لا ينفك عن الديني والعكس ،ومن ثمة فإن تداعيات الوصف = التكييف الذي أطلقه الدكتور الريسوني على احتجاجات الأساتذة المتدربين مدعاة لعقوبتين :الأولى دنيوية ،تتمثل في جناية المس بالأمن العام ،والثانية أخروية ،تتمثل في استحقاق العذاب في الآخرة! وهي أدهى وأمر.والنتيجة أن الأساتذة المتدربين –حسب فتوى الريسوني- "جناة" بلغة القانون الوضعي ،ومذنبون بلغة القرآن الكريم ،وإن استطاعوا أن يفلتوا من طائلة القانون الوضعي ،فلن يفلتوا من العقاب في الآخرة! والحال أن الواقع ليس كما وصفه الريسوني،بل أكثر تعقيدا ومدعاة للنقاش والتحليل الدستوري والقانون والسياسي والاجتماعي والديني أيضا، مادام أن الدكتور الريسوني استند في حيثيات اتهامه للأساتذة المتدربين بالغوغائية والفوضوية إلى الدستور والقانون ،حيث قال بالحرف"..لقد أصبحنا أمام جيل جديد من المدرسين المحتملين يريد – هو ومن معه- (هاد هو ومن معه ماشي شغلنا فيها) أن يرغم الحكومة والبرلمان على تغيير القوانين الدستورية المعتمدة بمجرد التظاهر وقطع الطريق.." لماذا يصادر الدكتور الريسوني حق الأساتذة المتدربين وكل المظلومين في إرغام الحكومة على تغيير القوانين إذا كانت غير منصفة لهم؟ ولماذا تصلح القوانين إذا كانت لا تأمن الناس من خوف ولا تطعمهم من جوع؟! .أين تريدهم أن يذهبوا بعد إن نجحوا في اختبار الولوج إلى مراكز التكوين تمهيدا لتعيينهم في المدارس العمومية- وهم في الغالب متحدرون من أوساط اجتماعية فقيرة تعول عليهم عائلاتهم لإنقاذها من الفقر؟ ولماذا تتهمهم بالكسالى والخاملين لمجرد أنهم تشبثوا بالتوظيف في القطاع العام؟! هل تريدوهم أن يذهبوا الى القطاع الخاص؟ ماهي الضمانات التي توفرها الحكومة التي تدافع عنها يادكتور للعاملين في القطاع الخاص حتى يستهوي العاطلين، بل ماهو حجم فرص الشغل التي ينتجها القطاع الخاص حتى يستوعب هذه الجيوش الجرارة من العاطلين ،وخاصة من حملة الشواهد العليا الواقفين على باب الدولة ؟إن حق العمل يادكتور حق دستوري تضمنها المواثيق والأعراف والقوانين الوطنية والدولية، وقبل ذلك يضمنه الإسلام الحنيف لطالبيه ويضع مسؤولية توفيره على الدولة أولا ،فكل من لايجد عملا بالأحرى إذا كان ذا شهادة جامعية عليا أن يطالب الدولة بتشغيله ،وإذا لم تستطع عليها أن تطعمه من جوع وتأمنه من خوف،وهذا ما لا تفعله الحكومة التي تدافعون عنها ،بل إنها ضيقت فرص الولوج إلى الوظيفة العمومية أمام حاملي الشواهد العليا بعذر دستوري وقانوني مرفوض،دون أن تجد لهم بديلا .إن الدساتير والقوانين عموما وجدت لتأمن الناس من خوف وتطعمهم من جوع ،وإذا لم تفعل وجب تغييرها ، ولا يجوز البقاء عليها ،ولذلك فإن احتجاج الحكومة بالدستور والقوانين لكي لا تشغل الناس أشبه بالعذر الذي هو أقبح من الزلة.كما أن الاحتجاج بضعف الإمكانيات المالية والاقتصادية للدولة لا يقوم حجة ،بل هو مظهر للعجز عن تحقيق العدالة وإجتراح الحلول لتوزيع ثمار التنمية مهما كانت قليلة على مجموع المواطنين..وكما هي مطالب الأساتذة المتدربين، وكذا مطالب حملة الشواهد العليا وكل مطلب اجتماعي مشروع ،ليس الدستور والقوانين أو الإمكانيات المالية هي ما يمنع تحقيقها ،وإنما غياب وجود إرادة سياسية لدى الحكومة والدولة عموما. وتأسيسا على ماسبق فإن الدكتور الريسوني لم يوفق في وصف احتجاجات الأساتذة المتدربين وضمنا حملة الشواهد العليا ب " الغوغائية و "الفوضوية" و"الكسالى" و"الخاملين" ، وبدا موقفه أقرب إلى السياسة منه إلى الإنصاف والعدالة ومقاصد الشرع الحكيم .