مازال المغرب الراهن يعاني من مشكل مزمن ، مشكل يحتل الصدارة ضمن مجموعة المشاكل الأخرى التي لم تعرف بعد طريقها نحو المقاربة الجدية أو المعالجة النهائية .إنه مشكل التعليم ، مشكل اعترفت به الدولة والمجتمع و الوزارة نفسها .لأنه مشكل يُعترف بتعقُده وتفاقم ابعاده ، منذ الإعلان عن الاستقلال إلى اليوم .المغاربة بكل أطيافهم أباء و أبناء و أساتذة ومعلمين وباحثين و مسؤولين ومختصين في التربية والتعليم . وقد كان أخر نداء هو نداء الملك محمد السادس ، الذي وضع خارطة طريق لإصلاح المنظومة التعليمية في خطابه 20 غشت 2012. و في خطاب 30 يوليوز 2015 أكد الملك مرة أخرى ، على ضرورة إصلاح جوهري لقطاع التعليم ، إصلاح يتماشى مع متطلبات العصر . يقول الملك محمد السادس في خطابه : " في سياق الإصلاحات التي دأبنا على القيام بها من أجل خدمة المواطن، يظل إصلاح التعليم عماد تحقيق التنمية، ومفتاح الانفتاح والارتقاء الاجتماعي، وضمانة لتحصين الفرد والمجتمع من آفة الجهل والفقر، ومن نزوعات التطرف والانغلاق. "
لقد قيل الكثير عن هذا المشكل ، وعقدت حوله ندوات و أيام دراسية جامعية ورسمية ، وتم اقتراح حلول كثيرة :ميثاق التربية و التكوين الذي تبين فشله في الوصول على الأهداف المرسومة . بعد وصفة الميثاق تم الحديث عن إستيراد وصفة جديدة تسمى مخطط البرنامج الاستعجالي . و الذي تبين أيضا إخفاقه بعدما قدم المفتشين تقيما عاما حوله . ومازال المشكل في تعقيد و أبعاده تزداد و تتشعب . إذن ، ماهو هذا المشكل ؟ وماهي الأبعاد العميقة لهذا المشكل المزمن ؟ هل في السياسات التربوية أم في الغايات التربوية ؟
يرى محمد عابد الجابري " أن مشكل التعليم في بلادنا ، ومنذ الإعلان عن الاستقلال، اتخذ طابعا سياسيا واضحا ، ليس فقط لأنه يمس الشعب كله أو لأنه يقدم أحسن مطية تطرح من على متنها قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية و ثقافية ، بل ايضا لأنه يعكس بالفعل إختيارات تخص هذه الميادين نفسها ، ويتضمن في جوفه أو من خلال تطوره.أبعادا سياسية و اجتماعية أثرت وتؤثر وستؤثر ، لا على الثقافة و التعليم فقط بل على مجموع المشاكل الأخرى على اختلاف أنواعها ، وتفاوتها في الأهمية و الخطورة ."( )
إن أخفاق التعليم بالمغرب ناتج عن غياب الجودة في التعليم والتكوين ، وليس في غياب الأطر كما كان الأمر في السبعينيات ،اليوم هناك عدد كبير من حاملي الشهادات العليا. ولكن يعانون من ضعف التكوين الذي كان مشكلا من مشاكل التعليم العويصة في الماضي و الآن . زد على ذلك أن الدولة تراوغ عندما تقول أنها لا تتوفر على ميزانية لتوظيفهم ، وذلك لا بد أن يكون عن طريق المبارة الوطنية و أن يخضعوا لتكوين في مراكز التكوين . اليوم تخرج علينا الوزارة بمرسوم جديد يشير إلى أن الوزارة غير معنية بتوظيف الخريجين من المراكز الجهوية للتربية و التكوين. إذ يمنح التأهيل التربوي للمتدربين بالحصول على شهادة التأهيل التربوي للتعليم الابتدائي أو الثانوي الإعدادي أو الثانوي التأهيلي، تسلم إليهم من طرف المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، والتي تتيح لهم إمكانية المشاركة في مباراة لتوظيف أساتذة التعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي، وذلك حسب الحاجيات وبمراعاة المناصب المالية المحددة في قانون المالية موزعة على التخصصات والأسلاك والأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، كما ينص على ذلك التغيير الذي جاء به المرسوم المصادق عليه. والحالة هذه ، فالمشكل ما يزال يتشعب بسبب الخصاص الموجود في كل الأسلاك التعليمية. إذن ثمة مشكل مزمن في قطاع التربية و التعليم هو بلا شك مشكل المنظومة التربوية. ونحن نقرأ في الكتب الفلسفية أن كل مشكل يمكن أن يكون له حل. يعني أن المشاكل أيا كانت ، لها تاريخ ومن ثمة يغدو الفهم الصحيح لها إنما يبدأ بفهم تاريخها وبعدها تتبع مراحل نموها. مع العلم أن المعطيات الدقيقة لهذا المشكل يصعب فهمها ، إن اقتصرنا على النظر إليه من خلال الصور التي يكشف فيها عن نفسه من وقت لأخر ، فلا إضرابات النقابات ولا رد فعل المسؤولين و لا النتائج التي تسفر عنها الامتحانات و لا البنيات التحتية للمؤسسات و لا عدد الأطر ولا شكل وبنيه وطبيعة مدارس التكوين...لا شئ من ذلك يشكل المعطيات الدقيقة – الجوهرية للمشكل لأن الوزارة تعتمد على الإحصائيات و عدد الخرائط المدرسية (البنيات التربوية بالمؤسسات التعليمية ) ولا ترى هذه المدارس التي ترسل هذه التقارير كيف تشتغل . إنها مظاهر مهمة ولكنها لا ترقى إلى أن تعبر عن المشكل بشكل كلي ، لأن هناك معطيات غائبة وهناك إجراءات غير رسمية و غير واضحة تساهم في تحديد معالم المنظومة .
إذن ، همنا اليوم رسم معالم الطريق التي ستمكننا من وضع المشكل وضعا صحيحا وتشخيصه تشخيصا صحيحا . وهذا لا يمكن إلا إذا اعتمدنا على الأطر و الأساتذة المشتغلين في الميدان ، و الابتعاد عن اللغة ( التنظيرية ) لغة الخبراء و الباحثين. لأنه كما قال الجابري: " نجد أنفسنا في نفس الموقع الذي كنا فيه عام 1956 أما نفس المشاكل ، و إزاء نفس المهام.إن الفرق بين وضعيتنا اليوم، هو فرق في الدرجة فقط ، لقد ازدادت مشاكلنا تعقيدا، وبالمقابل إزداد وعينا عمقا ."( ). الحالة هذه أن المطلوب منا اليوم هو تجاوز ونقد السياسة التربوية المعتمد من طرف الوزارة بكل أريحية . وليس تغير المناهج والمقررات .
إذا كانت السياسة التربوية "هي مجموع التدابير المتبعة لدى السلطات العمومية في مجال التربية و التكوين وشركائها من المجتمع بمختلف قطاعاتهم.وتتحكم هذه السياسة التربوية إلى إستراتيجية عامة تتضمن المبادي و الاختيارات و التوجهات الكبرى للمجتمع و الحياة الاجتماعية بمختلف مجالاتها السياسية و الاقتصادية و الثقافية و القيمية ." ( )
فإنه يلزمنا نقد هذه السياسة التربوية على كل مستوياتها الإستراتيجية :
- الغايات و الأهداف العامة للتربية والتكوين .
- مواصفات خريجي النظام التربوي بمختلف مكوناته .
- إعادة النظر في هيكلة مختلف قطاعات التربية و أسلاك التعليم و التكوين.
- نوعية الموارد البشرية التي يمكن أن تقوم بمهمة التربية و مهمة التعليم والتلقين.
- التركيز على المستجدات المعرفية والبيداغوجية و التكنولوجيا التي تلحق باستمرار حقل التربية والتكوين. ( )
- نقد دور المكونات العامة للسياسة التربوية بمختلف ممثلي القطاعات المجتمعية ( رجال الاقتصاد ،نقابات ، أحزاب ، رجال ونساء التعليم ، جمعيات أباء ، مجتمع مدني ..,)
لذلك لا بد من نقد و تشريح هذا البناء العام لهذه السياسات التربوية تقويض كل التمثلات التي يمكن ان تعيق تقدم المنظومة التعليمة و ازدهار المدرسة المغربية.
I. في الحاجة إلى نقد السياسة التربوية المتبعة
إن المنظومة التعليمية بالمعرب مازالت تحتفظ بترسبات عهد الحماية ، حيث بقي التعليم ، تعليما خاصا بنخبة ضيقة جدا. نخبة تتكون أساسا من أبناء الطبقة المتوسطة و كبار التجار. وهذا يعني أن الوضعية التعليمية تعكس بصدق و أمانة الوضعية الطبقية.وهذا يتضح بشكل غير مباشر عندما نلقي نظرة على المواد التالية :( الفيزياء و الرياضيات و علوم الحياة والأرض ) نجد معامل هذه المواد أعلى معامل بمساليك الثانوي التأهيلي .و إذا فكرنا في آفاق هذه المواد بعد الباكلوريا نجد ( كلية الطب ، الأقسام التحضيرية التي تؤدي إلى الجامعات الأجنبية "بولي تكنيك" بفرنسا نموذجا ، مدرسة علوم الإعلام ، كلية الطيران ...)كما نجد أن التلاميذ الذين يلجون هذه المدارس العليا ، أغلبهم أبناء موظفين حكوميين : أطباء ، أساتذة ، أساتذة جامعيين ، معلمين ، دركيين، جمركيين، قضاة ، وقلة قليلة منهم ابناء التجار أو أبناء الطبقات الفقيرة النوابغ منهم. في حين نجد أبنا الطبقات الفقيرة يتجهون إلى شعب الآداب و العلوم الإنسانية ، زيادة على هذا فهم لا يتقنون مواد الشعب العلمية كالرياضيات و الفيزياء ولا مواد الشعب الأدبية كالفرنسية و الإنجليزية و العربية.و بالتالي فهم يتركون مصيرهم ومستقبلهم في متناول الصدفة.
إن اختيار معامل المواد المدرسية هنا ، هو الشأن بالنسبة لاختيار محتويات هذه التخصصات هو نتاج علاقات قوى بين الجماعات الاجتماعية. إن الثقافة المدرسية التي خرجت من رحم السياسة التربوية. ليست بثقافة وطنية أو شعبية بل ليست حتى محايدة. وإنما هي ثقافة طبقية. وهذا يعني أن المسافة بين الثقافة المدرسية المغربية بالخصوص وثقافة وسط الانتماء ( القروي مقابل الحضري ) و (المستوى المعيشي مستوى فقير وهش مقابل مستوى ميسور وغني) تحدد مصير ونوعية التنشئة الاجتماعية للفئة المستهدفة داخل المؤسسات التعليمية – التربوية للدولة.
إذن، نجذ أبناء الطبقة المتوسطة السالفة الذكر (أطباء، مهندسين، أساتذة، قضاة..) كما يبين ذلك عبد الكريم بزاز "لهم رأسمال ثقافي موروث من عائلتهم ويتكون من رصيد ثقافي- اجتماعي مستبطن في شكل أدوات فكرية وبفضل التفاعلات التي تتم داخل أسرهم ، فإن أبناء الفئات الميسورة نسبيا يبرهنون على مستوى من النمو العلمي المبكر وكذلك الشأن بالنسبة لنمط لغوي أكثر تلاؤما مع متطلبات المدرسة (الفرنسية و الإنجليزية ..).وهذا الرأسمال يوجد في شكل متموضع داخل بيئة هؤلاء الأطفال : كتب ، وأعمال فنية ، وسفريات ووسائل إعلام...كل هذه الوسائل تشكل محيطا ملائما للتمرن و التدريب وتفسر النجاح المدرسي للأطفال المنحدرين من هذه الطبقة." ( )

والفضل يعود للآباء الذين لهم مستوى معرفي وتكوين علمي عال. هكذا ، تجد كل هذه العناصر تشكل محيطا ملائما للتمرن والتدريب و تفسر النجاح المدرسي للأطفال المنحدرين من هذه الطبقة .بينما نجد مستوى الأطفال و التلاميذ الأسر الفقيرة والمعوزة المنحدرين من أصل قروي هش متواضع و ضعيف بالمقارنة مع تلاميذ أبناء الطبقة المتوسطة . من هنا يمكن أن نتساءل: لماذا التفاوت في التحصيل المعرفي و العلمي بين هؤلاء التلاميذ ؟ مع العلم أن المناهج و المقررات مشتركة و التوقيت واحد و مديرية المناهج تسهر على تتبع ومراقبة المناهج التربية التي تفرضها السياسة التربوية للمنظومة التعليمية. بل نجذ أن الأطر التربوية وهيئة التدريس ، خاضعت لتكوين لا باس به في مراكز التكوين ، و المدارس العليا للأساتذة و المراكز الجهوية لمهن التربية...
إننا لا ننكر المجهودات التي تبدلها الدولة من أجل الترقية بمستوى التعليم بالمملكة (كإنشاء المدارس الجماعتية وإحداث المراكز الجهوية لمهن التربية و التكوين ، وتشجيع الأسر الفقيرة بخلق برنامج تيسير لمحاربة الهدرالمدرسي، وتشجيع هيئة التدريس على الاستقرار و العطاء بإحداث تعويض عن المناطق النائية و القروية .
II. المنظومة التربوية أفقا للفكر
حسب رأي المتواضع ، على الدولة أن تؤسس مراكز إيواء التلاميذ. بدل الداخليات ، وأن يتم تجهيز هذه المراكز بكل التجهيزات اللازمة و الملائمة لتقديم تعليم ناجع و عصري .واستحضار المتطلبات الانية و المتوسطة المدى للمنظومة التربوية و تطوير الإمكانات و القدرات ، بما في ذلك الثقافية و التواصلية و التقنية مع الحرص على تلازم الجودة .و اعتماد إستراتيجية نسقية مندمجة داخل هذه المراكز :
- توفير مراكز إيواء تتجاوز نظام الدخليات إلى نظام جديد شبيه بالمؤسسات الجماعتية بل يرقي إلى مركب متكامل تعليميا وتربويا و سلوكيا ...
- يتكون مركز الإيواء من :
1- مطعم عصري و نظام غدائي تربوي وصحي .
2- قاعة مجهزة للمطالعة و إلى جانبها خزانة عصرية خاصة بالمركب بها كتب تشمكل كل المواد وكل التخصصات .
3- ملا عب للرياضة يومي السبت و الأحد.
4- مرافق صحية : عيادة بها طبيب و ممرض.
5- مركز الدعم الإجتماعي و النفسي به أخصائي نفساني وباحث في علم الإجتماع.
6- قاعة للترفيه و المسيقى بها مربي ومعلم مسيقى
7- قاعة خاصة مجهزة بالتكنولوجيا الرقمية تحتضن الأنشطة الفكرية والندوات و العروض على مدار الأسبوع.
8- قاعة مجهزة بالتكنولوجيا الحديثة خاصة بالسينما و المسرح .
9- مرافق: حمام، مراحيض عصرية و نظيفة .
كل هذه التجهيزات المادية إذا توفرت يمكن أن تحقق هدف التعلم للجميع ، و تحقيق التكافؤ في فرص التعلم ومنح تعليم راقي النوعية .بالإضافة إلى توفر الموارد البشرية الخاصة بمركز الإيواء لها تكوين نظري و عملي في مجال التربية ، لأن من مهام هؤلاء الأطر. التربية أولا، لا التعليم والتلقين لأن مهمة التعليم هي من اختصاصات هيئة التدريس. وتشتمل مهمة التربية على :
- مراقبة التلاميذ في قاعة الخزانة و قاعة المطالعة .
- مراقبة التلاميذ في المطعم و الملاعب الرياضية .
- مراقبة التلاميذ في المرافيق الصحية من أجل غرس مفهوم النظافة في سلوك التلميذ. وتتبع سلوك التلميذ و إنجاز تقارير ميدانية ويومية عن سلوكات و مستوى التلاميذ .وهذا كله يصب في معطى تقوية جانب القيم و الإتجاهات و المهارات الإجتماعية، بمعنى مأسسة المعرفة وتحويلها إلى سلوك طوعي من أجل الحصول على مواطن صالح وكامل المواطنة.
إذن ، مهمة هذه الفئة الإهتمام بالتربية و التهذيب و تتبع مستوى التلاميذ في المراكز ، مع الاهتمام بنموهم المعرفي و النفسي و العضلي. ومراعاة السهر على تربيتهم وتنشئتهم تنشئة سليمة و قويمة تركز على التفتح و الإبداع ، أي إعداد مواطنين صالحين لخدمة الوطن .
و إلى جانب هذه الفئة الأولى ، توجد فئة ثانية هي هيئة التدريس همها هو التعليم و التلقين و التربية في نفس الوقت ، بحيث يكون شاغل هؤلاء الأساتذة منح تعليم جيد وراقي لهولاء التلاميذ. وهذا لن يكون إلا " بتوفير الاستقلالية و المرونة للمؤسسة التعليمية ( المدرسة بالذات) للقيام بدورها التربوي في التنشئة الاجتماعية للأطفال". ( )" ومن أجل تطبيق هذه التوصيات تحتاج الحكومة إلى مزيد من الشجاعة و التضحيات و الاستثمارات المهولة في هذا المجال.إذ ، أنه لا يمكن تكوين جيل سيخدم الدولة دون استحضار آفاق التعليم. وهو ما عبر غنه الملك محمد السادس في خطابه حينما قال : " فمستقبل المغرب كله يبقى رهينا بمستوى التعليم الذي نقدمه لأبنائنا. "
إن الحديث عن النجاح المدرسي وارد جدا ، كلما تشابهت ملكة الأساتذة و المربيين( الموجودين بمراكز الإيواء ) مع ملكة المتعلمين.
إن المشكل الحقيقي ، في نظري كأستاذ للتعليم الثانوي التأهيلي ، لا يوجد في البيداغوجيات و لا في الديداكتيك و لا في المقررات. وإنما يوجد في التمثلات القائمة ، أي إكتفاء الدولة ببناء المدارس ودن مواكبة بنياتها التحتية ، مما يولد ظاهرة الإكتضاض . أو تكوين و تعيين الأساتذة ، مما يجعل الوزارة في وضع سليم مع المجتمع و المحيط بمعنى أنها قامت بدورها ، ليبقى دور الأستاذ و الأسرة .في حين أن المجتمع المغربي لم يصل بعد إلى مستوى هذه المسؤولية الموجودة في الدول المتقدمة . حيث نجد الدولة والمجتمع و الأسرة يسهرون بشكل مشترك على تولي مهمة التربية والتعليم.
إننا في دولة كالمغرب ،لا يجب أن توضع الحرية في يد المجتمع و الأسرة فقط . بل على الدولة أن تهتم بالمنظومة التعليمية بشكل مطلق وكامل. أولا للحد من ظاهرة الهدر المدرسي بقوة القانون .وللحد من الإكتضاض و للحد من كل المشاكل التي يمكن أن تمس بسلامة السير العادي للمرافق التعليمية و المؤسسات التربوية. وهذا كفيل بربط التربية والتعليم بالتنمية .
كما لا بد للدولة من محاربة كل المقاييس التي جعلت مستوى التعليم يتدنى في بلادنا ومنها على سبيل المثال أن المدرسة تحول التفاوت الإجتماعي في شكل نتائج تنافس منصف وعادل . وهكذا نجد منظومة التقويم المدرسي تصبح اعتباطية ومتعسفة . وهذا ما يسمح بتوظيف المدرسة بوصفها أداة لإضفاء الشرعية على التفاوت الإجتماعي وبعيد من ان تكون تحررية ، فهي محافظة وتعمل على تكريس اللاجودة و المفاضلة بين عالم القرية المهمش الذي يعاني من الخصاص في الأطر وعالم المدينة الذي يعاني من الفائض في الأطر. ولتزكية رأينا هذا، يمكن الإعتماد على دراسة بيير بورديو " المدرسة و إعادة الإنتاج الاجتماعي" سنة 1964 حيث يقول بورديو " إن التنوع الرسمي في شكل فروع أو شبه الرسمي في شكل مؤسسات أو أقسام متدرجة من آثاره كذلك المساهمة في إعادة خلق مبدا مخفي للتمييز : التلاميذ المنحدرون من عائلات ميسورة تلقوا من عائلتهم حس الإستثمار المربح وكذلك الأمثلة و النصائح التي تساعدهم في حالة الشك ،هؤلاء التلاميذ هم في وضعية تسمح لهم بوضع إستثماراتهم في أحسن وقت وأحسن الأمكنة أي في أحسن التخصصات و احسن المؤسسات ومن ثمة أحسن الفروع ، و في المقابل فإن التلاميذ المنحدرين من عائلات محرومة وبخاصة أبناء المهاجرين يضطرون منذ نهاية دراستهم الابتدائية إلى توكيل مصيرهم إلى تعليمات المؤسسة المدرسية ، أو إلى الصدفة لإيجاد طريقهم في عالم معقد أكثر فأكثر. وهم كذلك محكوم عليهم باستثمار رأسمالهم الثقافي والذي يظل مع ذلك محدودا جدا "( ) وهذا ما يبين أن أبناء الفئات المحرومة والفقيرة يتجهون نحو التخصصات و الفروع المنتقصة ويشكلون من ثمة فئة جديدة مقصية من الداخل بمعنى تلاميذ يحتفظ بهم داخل المؤسسة المدرسية لتأجيل إقصائهم بطريقة قانونية ومشروعة هي الفصل من من الدراسة بعد التكرارات المتكررة التي سببها السياسة التربوية.

المراجع :
- محمد عابد الجابري : أضواء على مشكل التعليم بالمغرب ، دار النشر، المغربية ، الطبعة الأولى1973
- تحديدات مفاهيمية ،هيئة التحرير،مجلة دفاتر التربية و التكوين ، عدد مزدوج 6 و 7 ملف ماي،2012 .
- عبد الكريم بزاز: المدرسة و إعادة الإنتاج الإجتماعي حسب بيار بورديو ، "مجلة ثقافات" ، عدد 23 سنة 2010.
- عبد الحق منصف : تطوير المناهج و البرامج في: "خطة تطوير التعليم بالوطن العربي" دفاتر التربية والتكوين عدد مزدوج 6و 7.