من الأشياء الغريبة في بلدنا أن لا أحد أثار موضوع السياسة الخارجية المغربية أثناء الحملة الانتخابية التي جرت لاختيار ممثلي الأمة. واضح أن الأحزاب السياسية المغربية نفضت يدها من هذا الملف ولم تعد تمتلك الجرأة لخوض نقاشات حول الاختيارات التي مضت فيها المؤسسة الملكية في موضوع السياسة الخارجية.

هذا الموقف الجبان يحتوي في طياته على شيء من المكر والخديعة، إنه يعني أن المسئول عن السياسة الخارجية هو الملك وهو الذي يتعين تحميله جميع تبعاتها، وعلى هذا المستوى تستوي الحكومة مع البرلمان بمجلسيه: النواب والمستشارين. لقد عملوا كلهم بمقولة كم حاجة قضيناها بتركها، إذ لم يسبق للرأي العام المغربي أن سمع ولو مرة واحدة في لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان نقاشا عن الملف اليمني رغم ما يصاحب هذا الملف من بحار من الدماء وجرائم ضد الإنسانية وآخرها الجريمة التي ارتكبت اليوم السبت 8 أكتوبر الجاري ضد أشخاص مدنيين عزل كانوا في مجلس عزاء فذهب ضحية لهذه الجريمة المروعة والبشعة المئات من الضحايا.

هذا الدم اليمني الذي سال بغزارة يطرح علينا نحن كمغاربة السؤال المتعلق بمن اتخذ قرار دخول المغرب الحرب والزج بالجيش الملكي في أتون المستنقع اليمني؟ لماذا لم يطرح هذا الأمر على البرلمان ويناقش ويتداول بين النواب ويتم اطلاع الشعب المغربي على الدوافع التي كانت وراء مشاركتنا في هذه الحرب القذرة؟ ما هي الأهداف التي يريد المغرب تحقيقها من خلال هذه المشاركة؟؟ هل اليمن هاجم المغرب واعتدى عليه؟ هل اليمن أرسل إرهابيين للمس باستقرار بلدنا وأمنه؟ هل شكك اليمنيون يوما ما في وحدتنا الترابية؟ هل ساندوا البوليزاريو؟ أليس اليمن بلدا عربيا شقيقا لنا مثله مثل باقي الدول الخليجية التي نتمسك بأخوتها دون اعتراض أي من المغاربة على ذلك؟ لأجل من ولمصلحة من ولعيون من دخلنا في هذه الحرب التي تجاوزت مدتها العام والنصف وذهب ضحية لها أكثر من عشرة آلاف من النساء والأطفال والشيوخ اليمنيين ودمرت كافة البنى التحتية اليمنية من طرق ومستشفيات ومدارس وقناطر ومبان حكومية وخاصة؟؟

الحقيقة المرة هي أننا تحالفنا مع آل سعود في حرب ليس لنا فيها لا ناقة ولا جمل، في حرب ليست سوى عدوانا سعوديا سافرا ضد بلد عربي شقيق جائع وفقير ومعدم ومسالم وجار للسعودية ولم يسبق له القيام بأي اعتداء عليها. لقد دخلنا في تحالف يضم دول الخليج والسودان ومصر والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن نصارح بها أنفسنا. الضباط الإسرائيليون يلعبون دورا محوريا في الحرب وتشرف مخابرات إسرائيل على تقديم النصح والمشورة لقوات التحالف ضد اليمنيين.

يقول آل سعود إنهم يحاربون التدخل الإيراني في اليمن لأن طهران تمول وتدرب وتسلح الحوثيين لهز استقرار النظام السعودي، وبذلك يبرر السعوديون تحالفهم مع الإسرائيليين، فالرياض وتل أبيب تجاهران معا بأن لهما عدوا واحدا مشتركا يشكل خطرا عليهما ألا وهو إيران.

يتناسى هؤلاء أن الحوثيين مكون رئيسي من مكونات الشعب اليمني وأنهم لم يهبطوا فجأة ودون سابق إنذار من المريخ للاستيلاء على اليمن والسيطرة عليه. إنهم أبناء هذا البلد الشرعيين ومن حقهم أن يكون لديهم رأيهم في كيفية تدبير شؤونه قبل السعوديين وباقي دول التحالف.

وفي الحقيقة فإن هذه الهجمة على اليمنيين وعلى الحوثيين تحديدا مردها إلى كون الشعب اليمني انتفض مطالبا بالديمقراطية ودولة الحق والقانون حيث تمكن من إزاحة الرئيس السابق علي عبد الله صالح، غير أن السعودية نصبت مكانه رئيسا أسوأ منه بكثير جدا ألا وهو منصور هادي ما دفع الحوثيين للتحالف مع عبد الله صالح ضد هذا الرئيس الدمية وضد السعوديين الذين فرضوه على اليمنيين خوفا من انتقال عدوى حراكهم الديمقراطي خاصة إلى منطقة القطيف حيث توجد نسبة كبيرة من السعوديين بعقيدة شيعية.

لا يمكن للسعودية أن تغفر للحوثيين كونهم يساندون القضية الفلسطينية ويرفعون في تجمعاتهم باليمن بجوار السعودية شعار: الموت لأمريكا والموت لإسرائيل، ويعتبرون أنفسهم جزءا من محور الممانعة المشكل من إيران وسورية وحزب الله، فمحور الممانعة هذا عملت الرياض على قلبه معنى واتجاها، وجعلت منه بآلتها الدعائية الضخمة وبفتاوى شيوخها وبأموالها القارونية هلالا شيعيا، وحولت تجاه الصراع من عربي إسرائيلي إلى صراع سني شيعي.

هذه الحرب المجنونة التي أثقلت كاهل السعودية وقصمت ظهر اقتصادها حيث أشارت مجلة فورين بوليسي إلى أن تكاليفها قاربت 800 مليار دولار، ودفعت حكومة الرياض لاتخاذ قرارات تقشفية ضد أبناء شعبها خسرتها القوات السعودية استراتيجيا وعسكريا. لقد فشلت في تحقيق أي هدف من أهدافها وأصبح الآن الاستمرار فيها انتحارا سياسيا واقتصاديا، ويعود في جزء منه إلى عقلية المكابرة والمعاندة. لو وظف جزء يسير من هذه الأموال لتحرير فلسطين لكانت إسرائيل قد أزيلت من الوجود.

غرور السعودية جعلها تستهين بقوة الشعب اليمني وتستصغرها وهم الذين قال فيهم وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كسنجر: لا يوجد، ولم ولن يوجد أشجع وأجد وأعند من رجال اليمن.. وقال فيهم هتلر: أعطني جندياً يمنيا وسلاحاً ألمانياً و سوف أجعل أوروبا تزحف على أناملها ..وقال فيهم الحجاج بن يوسف الثقفي: لا يغرنك صبرهم ولا تستضعف قوتهم فهم إن قاموا لنصرة رجل ما تركوه إلا والتاج على رأسه، وإن قاموا على رجل ما تركوه إلا وقد قطعوا رأسه...فانتصروا بهم فهم من خير أجناد الأرض .واتقوا فيهم ثلاثا: نسائهم فلا تقربوهم بسوء وإلا أكلوكم كما تأكل الأسود فرائسها.. أرضهم وإلا حاربتكم صخور جبالهم ...دينهم وإلا أحرقوا عليكم دنياكم ..

لقد أدرك الغرب وعلى رأسه أمريكا أن السعودية تورطت حتى العنق في المستنقع اليمني، وقد يكون هو الذي دفعها للغرق في هذا المستنقع، وأمام هول الفظائع التي ترتكبها قواتها في اليمن ضج الرأي العام من هذه المجازر وأخذ ينتقدها ويعارضها ويندد بمرتكبيها، وأمام ضغط الشارع اضطر البيت الأبيض لسحب أغلبية المستشارين العسكريين الأمريكيين من السعودية ليتركوها في عزلة تواجه مصيرها في حرب خاسرة من الأساس.

إذا كان هذا هو حال الرياض ووضعها في حربها التعيسة ضد اليمن، ألم يحن الوقت بالنسبة للمغرب ويتخذ قرارا للانسحاب من هذا المستنقع القذر الذي فاحت رائحة جيفته في كل مكان في العالم، ولكي ترفع عنه تهمة أن جيشه أصبح جيش مرتزقة في اليمن؟؟