لقطات قليلة لمشاهد مسربة من الفيلم السينمائي الجديد " الزين اللي فيك" للمخرج نبيل عيوش، كانت كافية لإثارة ردود أفعال غاضبة انتقلت بين رواد مواقع التواصل الإجتماعي بسرعة قياسية، والتقطها فاعلون حزبيون ونشطاء جمعويون وبعض خطباء المساجد، فتحول الموضوع إلى قضية رأي عام، وأصبح كل هؤلاء أوصياء على أخلاق المغاربة، يشتمون ويجرمون ويحرضون على مخرج الفيلم و الممثلات والممثلين الذين شاركوا فيه، وينصبون لهم المحاكم والمشانق قبل أن تتوج هذه الحملة المسعورة بقرار وزارة الإتصال القاضي بمنع عرض الفيلم المذكور في القاعات السينمائية المغربية، وذلك بدعوى أنه يتضمن "إساءة أخلاقية جسيمة للقيم وللمرأة المغربية" بالإضافة إلى "مسه الصريح بصورة المغرب".

قرار وزارة الإتصال يفرض علينا طرح بعض الأسئلة: فأية صورة هذه التي مس بها فيلم عيوش؟. ثم، ماذا بعد هذا المنع؟. وما دلالته؟... الواقع أن سلوك المنع والمصادرة هو الذي يسيء لصورة المغرب، ويقدم للمنظمات والهيئات الحقوقية الدولية ما يضفي مزيدا من المشروعية على تقاريرها السوداء بخصوص واقع الحريات والحقوق في بلادنا. ذلك أن قرار منع منتوج سينمائي بهذا الشكل يمس في العمق مبدأ الحرية ، وخصوصا حرية التعبير والإبداع. لكن، يبدو أن وزارة الإتصال تحولت بقرارها هذا إلى هيئة للنهي عن المنكر بعدما رأت في "الزين اللي فيك" تهديدا للأمن الأخلاقي للمغاربة وإساءة لصورة البلد، وذلك بما يتضمنه من لغة وإيحاءات جنسية تخدش الحياء العام .

اللقطات التي أثارت الجدل كانت حقا صادمة، حيث جرعة الجرأة فيها كانت زائدة ومستفزة، لكن ذلك لا يعني أن هذه المشاهد تتجنى على المغرب والمغاربة. و"ناقل الكفر ليس بكافر"، فنحن نعرف جميعا أن واقعنا لا يخلو من الممارسات والمشاهد التي ينقلها فيلم نبيل عيوش، غير أننا تعودنا على فن المداراة والهروب من الحقيقة. تعودنا على معالجة آفاتنا الإجتماعية بالصمت حينا صونا للشرف وخوفا من العار، وبالنبذ أحيانا بسبب الطابوهات التي فرضتها ثقافة المجتمع، بالرغم من أن الدعارة والشذوذ والمثلية وغيرها من السلوكات ظواهر إجتماعية لها حضورها وروادها وتبعاتها أيضا. لذلك كان من الأجدر أن يكون الفيلم الممنوع فرصة لفتح نقاش مجتمعي جاد لدراسة هذه الظواهر، فالعهر الذي يصوره "الزين اللي فيك" ليس دخيلا ولا مستوردا. إنه سلوك واقعي له أسبابه وسياقه.

وموضوع الفيلم يحاول أن يمسح عتمة السواد التي اخترنا أن نغلف بها هذه المساحة المشروخة في قيمنا الإجتماعية، ويسلط الضوء على موضوع يستصرخ مسؤوليتنا جميعا لعلنا نزلزل سكون الصمت المطبق الذي يلف نظرتنا لكل التشوهات التي تصيب جسمنا الإجتماعي. الصورة التي يقدمها فيلم عيوش واضحة تماما. إنها تعبير واقعي بلغة يعرفها المجتمع ويسمعها، بل ويستعملها الكثيرون في العلب الليلية والكباريهات ودور الدعارة، وأحيانا في الشارع العام أيضا... ويمكن أن نتفق أو نختلف مع رؤيته الإخراجية وطبيعة الخطاب الذي يوظفه في تصوير موضوع الفيلم، وهذه مهمة تتطلب أولا مشاهدة كل تفاصيل الشريط السينمائي قبل شحذ السيوف وإصدار الأحكام الجاهزة. ثم إن السينما إبداع إنساني ينبغي مقاربته بمعايير جمالية وليست أخلاقية.

إن منع الفيلم من العرض، سواء كان مجرد استجابة لسعار جماعي "سيكوزوفريني" أو كان صادرا عن قناعة وصلت إليها السلطات المختصة، هذا المنع إذن لن يغير من الواقع شيئا، ولن يساهم إلا في تكريس قاعدة "كل ممنوع موغوب"، لأن هذه الضجة الكبيرة التي رافقت المشاهد المسربة ساهمت في الإقبال أكثر على مشاهدتها والترويج لها، ولو على سبيل الفضول وحب الإطلاع. بينما كان بالإمكان أن يعرض هذا الفيلم بدون ضجيج، لأنه موجه لفئة محددة تتمثل في مرتادي القاعات السينمائية، وهي فئة قليلة جدا على كل حال. ثم إن التجربة أثبتت أن المنع والمصادرة لا يحققان المراد، فقد علمنا ابن رشد أن " للأفكار أجنحة، لا أحد يستطيع منعها من الطيران"، وأجنحة هذا العصر مشرعة ومفتوحة على مصراعيها في ظل تنامي دور وحضور شبكة الإنترنت في حياة المغاربة. وأيا كانت طبيعة الفكرة التي يحملها فيلم عيوش، فإن المؤكد أن المنع لن يساهم إلا في تأجيل اقتحام مثل هذه الطابوهات، وحجب الشمس بالغربال لا يمنع أشعتها من احتلال المكان، لأن ما يحاول مقص (أو مقصلة) الرقيب حجبه في القاعات السينمائية، لن ينجح للأسف في منعه من الأزقة الخلفية لشوارع الشرف المغربي.