*محمد بوبكري ـ لقد انسحب الحزب في عهد "الزعيم" الحالي من ممارسة السياسة، إذ صار خطاب هذا الأخير وممارسته يخلوان منها، وبالتالي فقد أصبحَ من أسباب عزوف المناضلين والمواطنين عن الاهتمام بها وممارستها. ولكونه يرفض حرية التعبير داخل حزبه ويكره المعارف والآداب والفنون التي تطلق الخيال وتُرسِّخ حرية التعبير، فهو يكره صراحة أن يمارسَ مناضلو حزبه السياسة بمفهومها الكوني. ويتجسد ذلك في تحايله من أجل فرض أجهزة محلية ووطنية شكلية لا تهتم في مجملها بقضايا الوطن والمجتمع، وإنما بالاستفادة من الريع على طريق "الزعيم". ويعود ذلك إلى حرصه على قيام العلاقات الحزبية على المصالح الشخصية بدل المبادئ والقيم... ونظرا لفراغ "الزعيم" وعجزه وانحرافاته، فقد بات لا يهتم إلا بحماية موقعه المتصدِّع نتيجة مقاومة المناضلين والمواطنين لانحرافاته وأطماعه... لذلك عمل على تغييب النقاش والحوار داخل الحزب عبر التهديد بالطرد من صفوفه. وبذلك فقد حوَّل الحزب إلى ضيعة في ملكيته، ما يكشف عن استبداده...

لا يناقش "الزعيم" الأفكار، ولا يمتلك المشاريع ولا ينتجها، بل يمارس السياسة بالصراخ لا بالعقل، فصار يتحدث - بمناسبة وبدون مناسبة – عن مشاكله مع معارضيه داخل الحزب، حيث لا يتوقف عن كيل الشتائم لهم لمعارضتهم لانحرافاته وأطماعه السلطوية والعقارية...
لذلك أصبحنا نلاحظ مؤخراً أنه فقد الثقة في نفسه، وصار يُهرِّب الاجتماعات الوطنية والمؤتمرات الإقليمية والشبابية والقطاعية إلى مناطق وأمكنة بعيدة عن أعين الناس حتى يتسنى له وضع عراقيل في وجه مشاركة المناضلات والمناضلين فيها عبر ملء مكان الاجتماع ببلطجية يدفع لهم، وتطويقه بأناس يجلبهم من نوادي ممارسة الفنون الحربية يتعاقد معها قبلا...

وللتدليل على ذلك، فقد عقد "الزعيم" مؤتمرات إقليمية صورية عديدة في بعض أنحاء المغرب في قاعات أفراح بعيدا عن المناضلين، وبتمويل وحماية أعيان وسخين غير حزبيين بغية فبركة أجهزة إقليمية مزورة سيتم توظيفها لضمان تحكم هؤلاء الأعيان في قوائم الترشح للانتخابات المقبلة.
ويعود انخراط "الزعيم" في هذه المؤامرة على الحزب ومستقبله إلى عشقه لهؤلاء الأعيان نظير ما يُغدقونه عليه...، ناهيك عن أنهم ينساقون معه ولا يطرحون له أية مشاكل سياسية...

ومن أغرب ما راج مؤخراً أن"الزعيم" عقد المؤتمر الإقليمي للحزب بفاس في "دار الفنون" بـ "عين الشقف" التي تسيطر عليها أجهزة "حميد شباط" الذي سهر على تحضير هذا المؤتمر أدبيا وماديا، لضمان المصادقة على ما يريده من إجراءات وقرارات... ولم تمتلئ القاعة رغم أنه تم جلب أناس من خارج حزب "الزعيم"، ومن جهتي فاس وتازة... وقد أكرم شباط الحاضرين، كما أنه عبأ مليشياته لحراسة القاعة. أضف إلى ذلك أنه اختار "أعضاء الكتابة الإقليمية"، ما يشكل حطّا من شأن الاتحاد الذي انعقد مؤتمر باسمه بحضور أناس غرباء عنه وقرر فيه شباط تنظيميا وسياسيا!!

يمكن تفسير سلوك الزعيم هذا بأن الاتحاديين بفاس يرفضون انحرافات "الزعيم"، فلاذَ بأخيه شباط لكي يحتضن مؤتمره الصوري في هذه المدينة ليتظاهر بأنه القوي هناك. وبذلك، يكون "الزعيم" قد كلف أخاه حميد بالتدبير المفوض لـ "كتابته الإقليمية" بفاس، ما يدل صراحة على رغبته في تفويت الحزب إليه هناك. ونظرا لضعف "الزعيم"، فقد اشترط عليه شباط بأنه لن يتعاون إلا مع العناصر التي يختارها هو شخصيا، ما يدل على أن هذا الجهاز الصوري سيكون طوع بنان شباط، لكن أنَّى له ذلك. فلا الزعيم ولا شباط يعيان أن الاتحاد حزب حي متمسك بقراره المستقل...، وأن المدرسة الاتحادية في فاس تمتلك من الحنكة والتجربة النضالية ما سيفشل أفاعيل هذا "الزعيم" وصديقه ويعريهما...

لا يتوقف الزعيم عن التمادي في تشويه هوية الحزب عند هذا الحدّ. فقد اعتمد التزوير آلية له. من ذلك، مثلا، أنَّ المؤتمر الوطني الأخير للاتحاد قد صادق على مقرر تنظيمي يقضي باعتماد نظام قريب من النظام البرلماني في تدبير الحزب، لكن بمجرَّد ما انتهى المؤتمر هرع الزعيم إلى إفراغ هذا المقرر التنظيمي من محتواه، إذ عمل على عقد مجلس وطني للحزب جلب له من هبّ ودبّ للمصادقة على قانون أساسي يمنحه كل الصلاحيات، ولا يترك لمختلف المؤسسات الحزبية أي دور يذكر.

وللتدليل على رغبة الزعيم في التزوير وتغيير البنية الاجتماعية للحزب، فقد بدأ يتصل بولاة وعمال الأقاليم لإخبارهم بأن القانون الأساسي يخول له الموافقة على كل الأجهزة الحزبية الاتحادية قبل أن تضع ملفاتها لدى السلطات المحلية. وبناء على ذلك، أصبح يحظُر الأجهزة الديمقراطية التي تعارضه ويضع مكانها أجهزته الصورية التي لم يصوت عليها المناضلون إطلاقا. كما أنه قام بنشر قوائم أجهزته الشبابية الصورية في وسائل الإعلام دون أن يتم انتخابها من قِبَل مندوبي قطاعها...

ولما فشل الزعيم، وأدرك أنه دخل في مرحلة العد العكسي، لجأ إلى التعتيم لكي لا ينكشف أمره. ونظرا لافتقاره لأي حجة للتغطية على ضعفه، فقد أصبح يُصرُّ على محاولة إقناع محيطه بأنه مدعوم من قِبَل السلطة وقادر على ضمان مقاعد في المؤسسات المنتخبة والحكومية لكل من يسانده. بل إنه عندما أعوزته الحجة القانونية والأخلاقية للاستيلاء على جريدتي الحزب، صرخَ في وجه معارضيه مهدِّدا باللجوء إلى السلطات العليا للانتقام منهم لكونه يحظى بمساندتها...

كل ما سبق وغيرُه دفع المناضلين والمواطنين إلى إدراك الكوارث التي يتسبب فيها هذا "الزعيم"، كما أنهم تأكدوا من أنه يفتقر إلى المؤهلات الفكرية والسياسية والقانونية، ما يسقط عنه الأهلية ويستوجب رحيله...

 * عضو المكتب السياسي بحزب "الاتحاد الاشتراكي" ورئيس آخر مؤتمر "الاتحاد الوطني لطلبة المغرب".