تفيد روايات إعلامية متطابقة أن قيادي حزب "العدالة والتنمية" عبد العالي حامي الدين قد اعتذر عن رئاسة فريق حزبه البرلماني بمجلس المستشارين نتيجة ضغوط مارستها ضده ما وصفتها نفس المصادر بـ"جهات نافذة" في البلد.

في الثقافة السياسية والمخيال الجماعي المغربي عامة، عندما يتحدث أحدهم عن الجهات "النافذة" يذهب ظن الجميع إما إلى الملك أو إلى أحد مستشاريه، فلا جهة "أنفذ" من الملك ومستشاريه داخل المغرب، سوى الله.

فبمقتضى فصول عديدة من الدستور ومعطيات الواقع والخطب الملكية؛ الملك ومستشاروه هم من يحكمون فعلا ويدبرون الشأن العام، لا قوى غيبية أو "تماسيح أو عفاريت"كما يُرَوِّج البعض، فهل كان الملك أو أحد مستشاريه هو من مارس الضغط للحيلولة دون رئاسة حامي الدين لفريق حزبه البرلماني؟

في حواره مع جريدة "الشرق الأوسط" يوم 2 فبراير 2012، يقول بنكيران : " أتصل بجلالة الملك كلما كانت الحاجة إلى ذلك من جهته أو من جهتي. وهو غاية في اللطف والعناية". ثم يقول عن الهمة : هو رجل لطيف..أن يكون عالي الهمة هو مخاطبي في القصر الملكي يمكن أن يكون شيئا إيجابيا في النهاية فهو لديه مرتبته ومكانته، وهو شخص متفهم، وما وقع بيننا في المرحلة السابقة طويت صفحته، لكن ما يمكن أن أقوله لك أن علاقتنا الشخصية كانت طيبة من قبل، وطيبة الآن. وأنا من جهتي حاولت أن تبقى العلاقة معه طيبة حتى أثناء المعارك السياسية. فهذه القضية لا تزعجني. وأود أن أشير إلى أن لدي علاقات ممتازة مع مستشاري جلالة الملك. وفي الحقيقة لمست أن جميعهم من معدن طيب".

وإذا كان الملك "في غاية اللطف" وجميع مستشاريه من "معدن طيب" وبأن "علاقات ممتازة" تربط بنكيران بهؤلاء المستشارين، فمن هي الجهة "الأنفذ" من الملك والهمة وكل مستشاريه، التي ضغطت على رئيس الحكومة حتى لا يكون حامي الدين رئيسا على فريق حزبه داخل مجلس المستشارين؟

وإذا كان بنكيران يتصل بالملك "كلما كانت الحاجة إلى ذلك"، بحسب قوله فما الذي منع بنكيران من الإتصال به لإخباره بما مورس ضد زميله في الحزب؟ هل يعتبر رئيس الحكومة الملك هو تلك الجهة أو صديقا لها؟ أم يرى رئيس الحكومة الملك ضعيفا أمام هذه الجهة النافذة؟ ثم كيف لأستاذ علوم سياسية ودكتور في القانون ومثقف وقيادي في حزب أن يخضع لضغوط ويقبل إملاءات جهات نافذة؟ والأهم من كل ما سبق كيف لحزب يدعي الشفافية ويطالب خصومه بالوضوح وعدم التدليس على وعي الشعب وتضليله أن يروج عبارات مثل "جهات نافذة" "وتماسيح" و"عفاريت" تاركا باب التأويلات مشرعا على مصراعيه؟

ألا تقتضي "الرجولة السياسية" مواجهة هذه "الضغوط" المزعومة والكشف عن أصحابها بكل شجاعة ونبل وآنذاك فليتحمل الملك مسؤوليته، طبعا إذا صحت روايات "البيجيدي"، مادام الملك هو المسؤول الاول والأخير عن "حسن سير المؤسسات" وبينها مؤسستا الحكومة والبرلمان، كما هو مسؤول عن "صيانة الإختيار الديمقراطي" بمقتضى الفصل 42 من الدستور؟

وفقا لهرم الدولة، رئيس الحكومة هو الرجل الثاني في الدولة المغربية بعد الملك، وحين تفيد المصادر أن جهات ضغطت على حزب رئيس الحكومة للحيلولة دون رئاسة حامي الدين للفريق البرلماني لحزب "العدالة والتنمية" داخل مجلس المستشارين، فأي متتبع سيستنتج أن المقصود بهذه الجهة هي الملك، مادام لا شخص في البلد أنفذ من رئيس الحكومة سوى الملك، فهل "يحشي بنكيران" للملك "الهضرة"؟

في سبعينيات القرن الماضي قررت العديد من الدول العربية الإجتماع في سوريا لإخراج مصر من الجامعة العربية على خلفية موقفها من اسرائيل، فطلب الحسن الثاني من وزير خارجيته امحمد بوستة التعبير عن نفس الموقف خلال ذلك الإجتماع، لكن بوستة رفض ذلك، قبل أن يعرب عن رغبته في تقديم استقالته، فرد عليه الملك "سير دير لي بغيتي". وحين أعلن الحسن الثاني عن حالة الإسثناء رفض بوستة المشاركة في حكومة كان افقير ضمن أعضائها. وعندما وقع اختيار القصر على بوستة سنة 1993، لقيادة تجربة التناوب الاولى رفض العرض بسبب إسناد وزارة الداخلية لإدريس البصري. لم تكن "الرجلة السياسية والثقافية" حِكرًا فقط على بوستة بل إن محترما آخر سيذكره التاريخ بمداد من ذهب وهو المهدي المنجرة، رفض عرضا ملكيا بمشاركة خمسة أشخاص في تحرير دستور 62، مبررا قراره بأنه لا يؤمن " بالدستور الممنوح معتبرا أنه يجب أن يكون هناك مؤتمر تأسيسي منتخب من طرف الشعب...

وحين أقيلت حكومة عبد الله إبراهيم، طلب الحسن الثاني من عبد الرحيم بوعبيد البقاء في الحكومة التي يرأسها بنفسه كولي للعهد، لكنه رفض عرض الاستوزار لتفضيل الحسن الثاني التحالف مع الجيش والأمن على حساب الأحزاب السياسية، وهو ما جعل بوعبيد يصرح بعبارته الشهيرة " إن المغرب مُهدد بنظام فاشستي". وعندما ضغط عليه البصري حتى لا يترشح في أكادير قاوم الضغط صراحة وتشبث بترشحه في نفس المدينة، مثلما قاوم الضغط الذي مورس عليه حتى يعبر عن موقفه الرافض لإجراء استفتاء في الصحراء.

رئيس الحكومة لم يضغط عليه أحد، بل جاء القرار نتيجة عملية حسابية سياسية قام بها قادة الحزب أفضت نتيجتها إلى أن وجود حامي الدين على رأس فريق برلماني سيعطي فرصة أكبر لخصومه للنيل من سمعة  الحزب؛ مادام حامي الدين لازال مطلوبا القصاص منه على خلفية اغتيال الطالب اليساري محمد آيت الجيد بنعيسى.

قبل شهر أو يزيد صوت وزير الشباب والرياضة السابق منصف بلخياط لفائدة مصطفى الباكوري لرئاسة جهة الدار البيضاء سطات، فظهر قيادي "البجيدي" عبد الصمد حيكر على شريط فيديو يقول وهو يعني بلخياط: " الرجلة ماشي ساهلة"، واليوم نهتف في أذن من يعنيهم الأمر "الرجلة ماشي ساهلة".