قال البرلماني الاتحادي حسن طارق، "إن تقاعد البرلمانيين مبني على المساهمات الفردية لكل برلماني ولا علاقة له بأي نظام ريعي" على اعتبار " أ ن نظام التقاعد في المغرب، مبني على مساهمة شهرية تصل بالنسبة لكل نائب أو مستشار ممارس؛ إلى حدود 2800 درهم، وهو ما يمكن المساهمين من الاستفادة من مبلغ تقاعد يقترب من 1000درهم عن كل سنة داخل الولاية الانتخابية؛ بسقف لا يتعدى 15000 درهم. أي أن المساهمين الذين تجاوزوا ثلاث ولايات لا يمكنهم تجاوز هذا المبلغ".

تخيلوا مثلا برلماني مغربي عمره 30 سنة، يؤدي 2800 درهم لشركة التأمين التابعة لصندوق الإيداع والتدبير، لمدة خمس سنوات، سيكون مجموع ما أداه خلال نهاية ولايته هو مبلغ 168000 ألف درهم، ولنفترض أن هذا البرلماني عاش بعد ولايته 70 سنة فإنه سيتقاضى من المال العام 2352000 درهم والمصيبة أنه قد يكون قضى ولايته دون طرح سؤال واحد داخل البرلمان، وقد يكون مجرد "لص" رمال وقد يكون جاء للبرلمان بشراء مقعده، أليس هذا قمة التسيب والريع؟


ثم هل يمكن لشركة التأمين التابعة لصندوق الإيداع والتدبير أن تتعاقد مع باقي فئات المجتمع من صحافيين وعمال ورؤساء الجماعات والجهات، وفقا للشروط التي تخول للبرلمانيين معاش تقاعدهم ؟

طبعا لن تستطيع فعل ذلك، لأن الدولة تدرك موقع البرلمانيين في معادلة الصراع السياسي والاجتماعي، فهي تعي حاجتها للوبي برلماني في تشريع القوانين التي ترغب في تمريرها، كما تحتاجهم في إسقاط المشاريع التي لا تروق لها؛ لهذا كان من الطبيعي جدا أن تتبرع عليهم بريع معاشي غير متعب لضمان خدماتهم عند الحاجة.

في خطاب موجه إلى الشعب المغربي قال الملك محمد السادس "المغاربة عندي سواسية" لكن هناك مغاربة حصلوا على مأذونيات وآخرين لم يحصلوا عليها،  بل إن أسرة مكونة من سبعة أفراد حصلت على ثمانية مأذونيات بحسب "جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان" في وقت لا تجد أسر آخري ما تأكله. كما أنه في عهد الحسن الثاني فوتت أراضي بمئات الهكتارات لبعض المغاربة وآخرين لم يجدوا مساحة قبر ليدفنوا فيه.

وفي عهد الملك الحالي، كما في عهد والده رحمه الله، يشترط قانون الوظيفة العمومية أن يقضي الموظف المغربي 21 سنة في وظيفته لكي يتمكن من حقه في التقاعد، وإذا قضى 20 سنة و11 شهرا وثلاثة أسابيع فلا حق له في معاشه ولنا في حالة القاضي عادل فتحي؛ خير مثال فهذا الأخير لم يتبقَّ له إلا تعويض بئيس عن طفليه قدره 200 درهم لكل واحد منهما، وحق استرجاع المبالغ المقتطعة لحساب التقاعد، لكن الوزير المغربي يمكنه أن يلتحق بالحكومة في الأسبوع الأخير من نهاية ولايتها وفي الأخير يحصل على تقاعد مريح يصل إلى 39000 ألف درهم درهم شهريا طيلة مدة حياته، استنادا إلى الظهير الملكي رقم 331-74-1 الصادر في 11 ربيع الثاني 1395 (23 أبريل 1975) المتعلق بوضعية الحكومة وتأليف دواوينهم، وفي حالة وفاته يستفيد دويه من نصفه !!!

الطريف أن الظهير المنظم لمعاشات الوزراء يضمن لهم إلى جانب الراتب الشهري المحدد في 32 ألف درهم و 15.000 درهم كتعويض عن السكن، مع الإعفاء من أداء فواتير الماء والكهرباء والهاتف، وتخصيص ثلاث سيارات لرئيس الحكومة وسيارتين للوزير،  وطباخ ورئيس مطبخ وسائق وبستاني...، يضمن لهم أيضا مبلغ 5000 درهم شهريا، كصوائر لتأثيث منازلهم وشراء الأواني والأدوات الزجاجية والفضية، بمعنى أن كل وزير سيؤثث منزله خلال مدة خمس سنوات بمبلغ 300.000 ألف درهم، ويتقاضون عند انتهاء مهامهم تعويضا خاصا يعادل مرتب عشرة أشهر ، دون الحديث عن التعويض على التنقل، والانتفاع من الأموال المتبقية من ميزانية التسيير، التي يتم توزيعها مثل الكعكة، عند متم كل سنة مالية من خلال الآمرين بالصرف الذين يشتغلون تحت إمرتهم.

معاشات البرلمانيين والوزراء  في التقاعد سرقة وجريمة تامة في حق المال العام المغربي؛ لأن وظيفة البرلماني كما هي وظيفة الوزير هي وظيفة سياسية وليست وظيفة مهنية، فكيف يجوز لحسن طارق أو غيره من المقتاتين على "الريع" أن يبرروا معاشات ناجمة عن وظائف سياسية؟ وهل هناك بلد واحد في العالم ديمقراطي يتلقى فيه البرلمانيون والوزراء معاشات طيلة حياتهم لأدائهم وظائف سياسية؟

تقول إشاعة أنه بعد محاولات الإنقلابات العسكرية على الحسن الثاني رحمه الله جاءه مسؤولون أمريكيون ونصحوه بفسح المجال لآخرين ليلهفوا من المال العام والمناصب حتى لا يبقى وحده امام فوهة البركان وحتى يجعل هؤلاء المستفدين من اللهف أكثر حماسة للدفاع عن النظام؛ لأنهم مستفيدين منه بدل أن يجدوا انفسهم يدافعون عن نظام ليس لهم فيه ريع أو امتيازات.. وربما في هذه الظروف، جاء ظهير 1975 المنظم لريع الوزراء في المعاشات وقد تكون  هذه الظروف وراء إنتاج ريع معاشات البرلمانيين كما قد تكون وراء اغتناء أشخاص داخل محيط الملك بعد أن كانوا فقراء ...ولهذا اليوم تجدهم مستعدين لفعل أي شيئ لبقاء الوضع ليس دفاعا عن الملك والملكية والمغرب ولكن دفاعا عما راكموه من مصالح وخيرات في إطار الريع الذي يدافع عليه اليوم الإتحادي "اليساري" والبجيدي "المسلم"!

قد تكون هناك ظروف سياسية بررت للملك الراحل نهج سياسة "الريع" في إطار ضبط الأوضاع المتوترة على أكثر من صعيد عسكري وسياسي ونقابي، لكن اليوم ومع دستور 2011، الذي يتحدث عن المساواة في الحقوق بين المواطنين، وأمام تنامي الطلب الاجتماعي والوعي السياسي للمغاربة، لم يعد مقبولا التغاضي على "الريع" أو تشجيعه، بل يجب القطع معه نهائيا بداية بإلغاء الظهير المنظم لمعاشات الوزراء، وإلغاء الاتفاقية التمييزية التي يتم بموجبها تأمين معاشات البرلمانيين، لأن هذه المعاشات تكرس التمييز وتضرب في العمق مبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.