تزدحم الصحف ومحطات التلفزة العربية هذه الايام، بالتقارير والمقالات التي تركز على وصول طائرات شحن روسية عسكرية الى منطقة اللاذقية محملة بمئات الخبراء، ومئات الاطنان من العتاد العسكري، وكأن روسيا ليست حليفة للنظام السوري منذ عقود، وكأن دعمها له يجب ان يقتصر على “الفودكا”، والبطانيات، وجلود الدببة، وفرو الثعالب القطبية.

روسيا ومنذ بداية الازمة السورية، قالت بالصوت المرتفع، انها لن تسمح بسقوط النظام السوري، او رئيسه، واستخدمت “الفيتو” مرتين في مجلس الامن الدولي ضد اي قرار يسمح بالتدخل العسكري، وفق البند السابع من ميثاق المنظمة الدولية تقدمت به الجامعة العربية مدعومة من الولايات المتحدة الامريكية، وارسلت، اي روسيا، بوارجها البحرية الى شرق البحر المتوسط، في تحد لحاملات الطائرات الامريكية التي رابطت قبالة السواحل السورية استعدادا لقصف سورية اثناء ازمة الاسلحة النووية، فأين المفاجأة، ولماذا يستغرب البعض، والعرب خصوصا، تدفق المساعدات العسكرية الروسية لسورية، في وقت يقولون فيه ان النظام السوري بات ضعيفا اكثر من اي وقت مضى، فمتى يأتي الدعم في العادة من الاصدقاء والحلفاء؟

***
الدول الكبرى ليست جمعيات خيرية، وعلاقاتها الدولية، وسياساتها في اي منطقة في العالم، ومنطقة الشرق الاوسط بالذات، ليست محكومة بمنظومة من القيم الاخلاقية، وانما بالمصالح، ومن يقول غير ذلك يتسم بالسذاجة وقصر النظر، وروسيا ليست استثناء.

نعم.. روسيا تدافع عن مصالحها، وتريد الحفاظ على قاعدتها العسكرية في طرطوس، والنظام الذي سمح لها باقامتها، باعتبارها، اي القاعدة، آخر موضع قدم لها في المنطقة العربية وحوض البحر المتوسط.

اما اذا عدنا الى الجوانب الاخلاقية التي تحتل مرتبة اقل اهمية في العلاقات بين البلدان في الغرب والشرق، فاننا نعيد التذكير ان من اسباب العداء الغربي والعربي والتركي للنظام السوري رفضه مد انبوب الغاز القطري عبر اراضيه الى تركيا، ومنها الى اوروبا، وبما يؤدي الى منافسة الغاز الروسي الذي يشكل ورقة الضغط الاستراتيجية في يد القيادة الروسية على اوروبا، ومن الطبيعي، بل والمنطقي ان تحفظ هذه القيادة هذا الجميل للنظام السوري، وتبذل كل جهد ممكن لعدم سقوطه، والحيلولة دون خسارته مثلما خسرت ليبيا والعراق واليمن.

الامر لا يحتاج الى تحليل وانتقاء الكلمات، ورص العبارات مع بعض التوابل اللغوية، ويكفي الاطلاع على تصريحات القادة والمسؤولين الروس منذ بداية الازمة لنكتشف، ودون ادنى عناء، مدى الالتزام الروسي في الدفاع عن النظام السوري، والتأكيد في جميع المناسبات على شرعيته وعدم وجود اي بدائل اخرى له.

خمس سنوات اتيحت لامريكا وحلفائها العرب لاطاحة النظام السوري، ضخوا خلالها مليارات الدولارات، وآلاف الاطنان من الاسلحة الحديثة، وآلاف المقاتلين، ومئات الفتاوى، وتوظيف امبراطوريات اعلامية لهدف التعبئة والتحريض، فما هي النتيجة؟ تفتيت سورية والمنطقة، وخلق فوضى دموية، وفتنة طائفية، وميليشيات متصارعة، وحرب اودت بحياة ثلاثمائة الف سوري، وتشريد خمسة ملايين آخرين، وبقية القصة معروفة.. فهل يلام الروس في هذا الصدد، ام يلام الامريكيان وحلفاؤهم العرب؟

اقاموا المجلس الوطني، ثم حولوه الى ائتلاف وطني، واسسوا منظومة اصدقاء سورية من ستين دولة، وجمدوا عضوية سورية في الجامعة العربية، وطردوا ممثلها، واعطوا مقعدها في القمة العربية الى السيد معاذ الخطيب، وازالوا العلم السوري بالوانه الاحمر والاسود والابيض، ووضعوا مكانه علم الثورة السورية، فماذا جاءت النتائج، واين السيد معاذ الخطيب، واين الدكتور برهان غليون، واين هادي البحرة، ومن يتذكر اسم رئيس الائتلاف حاليا، ثم اين الائتلاف السوري نفسه، فمن الذي يلام في هذه الحالة عن هذا الفشل؟

الرئيس باراك اوباما اصدر فتوى يوم امس اثناء اجتماعه ببعض العسكريين قال فيها “ان استراتيجية روسيا في سورية القائمة على دعم نظام الرئيس بشار الاسد خطأ كبير”، وواصل قائلا “سنواصل قولنا لروسيا بأنها لن تستطيع الاستمرار في استراتيجية مصيرها الفشل”.

من المؤكد ان روسيا وقيادتها على وعي تام بتجارب بلادهم السابقة في افغانستان التي انتهت بالهزيمة والانسحاب بفعل دعم التحالف الامريكي العربي للمجاهدين الافغان، ولا نعتقد انهما على استعداد لتكرار التجربة نفسها، لكن سورية تظل غير افغانستان، وروسيا بوتين اليوم قد لا تكون روسيا غورباتشوف الامس، والكلام نفسه ينطبق على امريكا ايضا.

ربما يتفق البعض مع الرئيس اوباما وفتواه هذه، ولكن نتمنى عليه، اي الرئيس اوباما، ان يحدثنا عن النجاحات التي حققتها استراتيجية بلاده وحلفائها في المنطقة العربية، وآخر حلقاتها في سورية؟

فاذا كان الرئيس الامريكي يقول تارة ان الرئيس الاسد غير شرعي وعليه ان يرحل، ويكرر حلفاؤه العرب من خلفه العبارة المأثورة في قاموسهم “انه جزء من الازمة ولا يجب ان يكون جزءا من الحل”، ثم يغير الرئيس اوباما رأيه ويؤكد ان الاولوية يجب ان تعطى لمحاربة “الدولة الاسلامية”، وانه يجب الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية على حالها لتجنب تكرار التجربة الليبية، فان السؤال الذي يطرح نفسه هو، عما تريد امريكا وحلفاؤها بالضبط.

نفهم انهم لا يريدون الرئيس الاسد ونظامه، ولا يريدون “الدولة الاسلامية” ولا “جبهة النصرة”، ولا “احرار الشام”، فمن يريدون اذا؟ وما هي خططهم لحكم سورية بعد الرئيس الاسد، بعد ان جربوا اكثر من اربعة قادة للائتلاف الوطني السوري البديل على الاقل، وحتى متى ستستمر هذه الازمة، وكم عاما علينا ان ننتظر؟

***
بعد خمس سنوات من هذا التخبط والارتباك في الاستراتيجية الامريكية، وادواتها العربية، بقي الرئيس الاسد ونظامه، بينما رحل الشعب السوري، او معظمة، والبقية تستعد لشد الاحزمة للرحيل، اذا اتيحت لها الفرصة، وامتلكت المال اللازم، لاشباع جشع المهربين الذين ينصبون شباكهم لاصطيادهم في الشواطيء التركية والليبية.

الولايات المتحدة وحلفاؤها هم المسؤولون عن كل الازمات التي تعيشها المنطقة عندما غزو العراق واحتلوه، واطاحوا نظامه، وحلوا جيشه، وبذروا بذور الطائفية في ابشع صورها في تربته، ومنها تمددت الى سورية ولبنان واليمن، وقريبا ستحط الرحال في دول الخليج.

الروس والايرانيون لن يتخلوا عن النظام السوري، ومستعدون للقتال من اجل بقائه في سورية، ولكن هل لدى الامريكان وحلفائهم العرب العزيمة نفسها؟

نترك الاجابة للاسابيع المقبلة، وكل ما نكتفي بقوله اننا امام كرة ثلج كبرى بدأت في التدحرج والتضخم، وقد تتحول الى حرب عالمية ثالثة، اذا لم يعود الجميع الى الحكمة والعقل، ويتوصلوا الى حل سياسي يحقن دماءهم قبل ان يحقن دماء السوريين.