بديل ـ الرباط

يمثل يوم الثلاثاء 3 يونيو، أمام المجلس الأعلى للقضاء محمد الهيني، القاضي بالمحكمة الإدارية بالرباط، على خلفية خاطرة كتبها على صفحته الإجتماعية، وهذا ظاهر القضية، لكن العارفين بخباياها ينفون ذلك، ويربطون المتابعة بخلفيتين، خلفية لها علاقة بانتصار القاضي الهيني لصالح الأطر المعطلة ضد الحكومة، وخلفية لها علاقة بمقترح "مجلس الدولة"، الذي اقترحه الهيني.

ويرى متتبعون لهذه القضية أن المتابعة "سياسية بامتياز"، وما يزكي قولهم، أن مدير الشؤون المدنية ينفي أن تكون خاطرة الهيني تتعلق به، بل أجرى صلحا مع الاخير بحضور القاضية رشيدة احفوظ ورئيس نادي قضاة المغرب ياسين مخلي، إضافة إلى المستشار بمحكمة مكناس عبد الله الركجي، مع الإشارة إلى أن موقع "بديل" يتوفر على وثائق تثبت الصلح فمن يشتكي إذن بالقاضي الهيني؟

ويجمع كل قضاة المغرب، على أن الهيني واحد من أشرف قضاة البلد، لما عهد فيه من نزاهة واستقامة في مهنته. بدليل الإجماع الذي حظيت به قضيته من لدن جميع الجمعيات القضائية في المغرب.

ويرى محللون أن هذه المتابعة واحدة من قشور الموز التي رمتها "الدولة العميقة" تحت أرجل الرميد، إلى جانب القشور العديدة التي تُرمى  للحكومة هذه الأيام من خلال الاعتقالات والمحاكمات والزيادات في الأسعار، وكل ذلك لتُصدم الحكومة أو  بالأحرى حزب العدالة والتنمية مع الشعب، حتى إذا جاءت الانتخابات وجدت شعبيته في الحظيظ.

وهذا مقال حكيم الوردي باحث في المجال القانوني والقضائي عن القاضي الهيني:

الدكتور الهيني ومداس السنهوري

يجسد الدكتور محمد الهيني نموذج القاضي المثقف، الملتزم بالقضايا الكبرى للعدالة كقيمة فلسفية، المؤمن حد التوحد بحق المغاربة في قضاء مستقل ، كفؤ ، وقوي. وبحكم وعيه الشقي بالاستقلالية واحتكاكه كمستشار في القضاء الإداري بشطط الإدارة في استعمال سلطها، وجنوحها عن المشروعية في كثير من القرارات الماسة بالحقوق المكرسة دستوريا للمواطنين، فقد أكسبه ذلك مناعة قوية اتجاه الاحتواء والتدجين، ورسخ لديه الاعتقاد بإمكانية بروز قضاء إداري قوي، حام للشرعية لاسيما بعدما أنصف في كثير من الأقضية المواطنين من تغول الإدارة. وسواء أتعلق الأمر بحق المعطلين في التشغيل وفاء من الحكومة بالتزامها الموثق بمحضر رسمي، أو بحق المعتقل احتياطيا في التعويض عن تقاعس النيابة العامة في السهر على إحضاره من السجن ليحاكم داخل أجل معقول، ظلت أحكام الأستاذ الهيني مرجعا مشرفا للقضاء الإداري والقضاء المغربي عامة ، بجودة عالمية، عاكسة لروح الدستور، ومبادئ العدالة، والمواثيق الدولية المشكلة لشرعة حقوق الإنسان.

ومشكلة الأستاذ الهيني أنه لم يقتصر على تصريف قناعاته الحقوقية في ممارساته المهنية، بل انخرط بكل قوة في الفعل الجمعوي، معبئا، ومشاركا، ككل مثقف عضوي ملتزم، مستفيدا من حضوره القوي في الجامعة، وعلاقات الصداقة العلمية التي نسجها مع أنتلجنسيا كليات الحقوق التي فتحت له أبوابها، مؤطرا، ومحاضرا، ومشرفا على البحوث والرسائل الجامعية.كما لم يتورع عن تقديم يد الدعم للقضاة الذين شاءت الأقدار أن يساقوا تأديبيا للمجلس الأعلى للقضاء حيث ساهم بمذكرات رصينة في الدفاع عنهم بكل جدارة واقتدار.

إن مسارا كالذي اجترحه الدكتور الهيني لو كتب له أن ينحت في دولة تحترم كفاءاتها، لاستدعي الرجل على عجل، ولطلب منه أن يدخر الطاقة التي راح يصرفها مؤخرا منافحا عن مجلس الدولة، إلى حين تشكيل لجنة من خبراء، وفقهاء، وقضاة القضاء الإداري، تناط بها مهمة استكمال البنيان القانوني لدولة الحق، ولجرى تبشيره بعضويتها.

ولأننا في المغرب الذي لا شيء فيه يقع في الواقع كما نتوقعه منطقيا، تشاء إرادة الماسكين بزمام المرحلة أن توجه المفتشية العامة للدكتور استدعاء أشبه في إبهامه بتلك الورقة الزرقاء التي اعتادت الشرطة توجيهها لكل من تراه مفيدا في الاستماع إليه. في حين أن المسطرة الجنائية متعت مجرمي الحق العام بحق الدفع ببطلان الاستدعاء الذي لا يتضمن الأفعال المرتكبة وتكييفها القانوني.

وإذا كانت المفتشية العامة، تمارس مهامها تحت السلطة المباشرة للوزير طبقا للمادة 3 من مرسوم 11/4/2011 المنظم لوزارة العدل، فقد أوضحت التجارب ( استدعاء رئيس النادي، وذ أنس سعدون) أنها لا زالت الأداة المثلى التي يمكن لوزير العدل، وهو جزء من السلطة التنفيذية، أن يستقوي بها على السلطة القضائية، لاسيما في غياب تحديد دقيق لمجالات تدخلها في الممارسة القضائية. ومن موقعها المؤسس على الصورة المرهبة المترسخة عبر التاريخ في الذاكرة الجمعية للقضاة، فقد اكتسبت المفتشية حصانة، وهيبة، جعلتها في منأى عن أي نقد، لذلك لم تجد نفسها مجبرة على تعليل استدعاءاتها، ولا تمكين القضاة الماثلين أمامها من حقهم في الاطلاع، والدفاع باعتبار التفتيش مرحلة، أشبه بالبحت التمهيدي الذي قد يفضي للمتابعة.
وإذا تبت أن لاستدعاء الدكتور الهيني علاقة بممارسة حقه الدستوري في التعبير، فإن ذلك سيشكل لا محالة انتكاسة حقيقية، و نكوصا فوق كل الشبهات عن المكتسبات التي اعتقدنا أننا ننعم بها في ظل دستور 2011.فضلا على أنه سيقرأ بدون تأويل على أنه ترهيب للرسول، سعيا لقتل الرسالة، مادام أن الوزارة عبرت بوضوح لا غبار عليه بأن الظروف لم تنضج بعد لتأسيس مجلس الدولة، الهدف الذي نذر له الدكتور وقته ومتاعه.
ويبدو أن خطورة الإصرار على حشد الدعم لتأسيس مجلس الدولة، بعدما لاقت الفكرة مؤيدين مدافعين عنها، هي التي لربما عجلت باستدعاء الدكتور الذي يراه أصحاب الوقت عازفا خارجا عن الإيقاع، إيقاع الزمن المغربي الرتيب الذي لا يتحمل مؤسسة من حجم مجلس الدولة قادرة على إلغاء قرارات الدولة. إنه استدعاء بخلفية الخوف من " دولة القضاة" تلك العبارة السحرية التي يلوح بها السياسي كلما أدرك أن القضاء يقف في وجه طموحاته اللامتناهية.

ويكفي لإدراك خطورة مجلس الدولة أن نستحضر ما وقع للدكتور عبد الرزاق السنهوري أب القانون المدني ، والفقيه الذي صاغ الدساتير والقوانين، عندما بدأ وهو رئيس لمجلس الدولة المصري، زمن الثورة في إلغاء قرارات رجالاتها، فألبوا عليه الرعاع ظهيرة يوم 29 مارس 1954 الذين تظاهروا أمام المجلس، داعين إلى سقوطه ، ناعتين السنهوري بالخيانة، فلما طلب منه أحد الضباط الخروج لمخاطبة الجموع وتهدئة روعهم، انهالوا عليه بالسب والضرب، وفتكوا به فتكا في اعتداء مبيت مهين، جعل فقيهنا يغادر المجلس مدثرا في سجادة، موجها اتهامه عند الاستماع إليه بالمستشفى إلى جمال عبد الناصر.

وفي انتظار ما سيكشف عنه استدعاء الثلاثاء المقبل، لا نملك غير الالتفاف حول الدكتور محمد الهيني، مساندين له، ومعبرين عن استعدادنا للسعي معه في نفس الممشى الطاهر، وعبور ذات الصراط الصعب طالما أنه الصراط المستقيم لبناء دولة الحق بسيادة القانون.