حميد  المهدوي ـ حين يقول بنكيران:"الملك هو من يحكم في المغرب"، ويأتي بنعبد الله ويضيف: "نحن حكومة صاحب الجلالة" ثم يقول لشكر نحن "معارضة صاحب الجلالة"، يصبح مُخجلا، بل ومن العيب القول بأن الرميد قلب الطاولة على حصاد حين انتقد، يوم الأربعاء 24 شتنبر بالرباط، خلال اجتماعه ببعض الجمعيات الحقوقية، منع جمعيات مرخص لها من مزاولة أنشطتها في الفضاءات العمومية قبل الحصول على ترخيص من وزارة الداخلية.

لا يمكن أن نصدق ذلك، وسؤال عريض ينتصب أمامنا ويستفزنا، هو : لماذا سكت الرميد أكثر من أربعين يوما حتى يخرج اليوم تحديدا لينصر الجمعيات الحقوقية؟

ثم هل يخفى على الرميد من هو حصاد، حتى يجرؤ على الكلام أمامه دون إذنه، فبالأحرى الانقلاب عليه، وهو يعرف كما القاصي والداني أن حصاد لا يغير جواربه إلا بإذن المخزن، فبالأحرى أن يخوض حربا ضد الجمعيات الحقوقية دون توجيه منه؟

تؤكد الوقائع والتجارب في المغرب، أن النخبة تعاني دوخة فكرية كبيرة، هذا إذا أحسنا بها الظن، وهي ما تجعلها تخطئ تقدير الأمور في كثير من المناسبات.
عندما توفي الحسن الثاني وجاء ابنه للسلطة، خرج أحمد حرزني بوثيقة، يقسم فيها القصر إلى ما أسماهم حمائم وصقور، وصدقت كثير من النخب الحكاية، حتى إن البعض جعل هذه الوثيقة مرجعا له في تفكيك وتحليل المشهد السياسي في المغرب، قبل أن تكشف الأيام زيف هذا التقسيم، ليتأكد لاحقا، بأن هناك دائرة واحدة لصناعة القرار السياسي في المغرب ليس إلا.

وعندما جاء الربيع الديمقراطي، وخرج الشباب إلى الشارع، خرج معهم حامي الدين والرميد وبوانو، فقسمت "النخبة/ الضحية" حزب "العدالة والتنمية، إلى حمائم وصقور، لكن لا أحد استطاع أن يفهم أن الأمر مجرد توزيع لادوار في إطار سياسة "شي يكوي وشي يبخ".

وما يسمى، اليوم، بقلب الرميد للطاولة على حصاد هو يندرج في إطار هذه السياسة ليس إلا، خاصة بعد أن بلغ الاحتقان ذروته، وبعد أن ورط بنكيران ولشكر وبنعبد الله الملك بلسانهم حين صوروه في حلة الواحد الأحد، الحاكم المتحكم في الحكومة والمعارضة وكل شيء، وبذلك تكون نهاية الملكية، لا قدر الله، خاصة وأن الملك "تورط" في خطاب تاسع مارس، حين بدا مستجيبا لإرادة الشعب، بصرف النظر عن التفاصيل اللاحقة، وكيف صارت الأمور بعد ذلك.

الرميد، اليوم، مكلف فقط بمهمة وهي غير مستحيلة على ما يبدو بعد أن قبلت الجمعيات تلقي الدعم منه، في أفق أن يمر المنتدى العالمي لحقوق الإنسان بمراكش بخير.

ثم متى كان كان وزير عدل في العالم "حقوقيا وقلبه على الحقويين" وهو يصمت بل يتواطأ على  حمل رئيس غرفة بمحكمة النقض من طرف ستة أشخاص، واحتجازه لمدة 13 ساعة؟ مع الإشارة إلى أن ما جرى للقاضي عنبر كان كفيلا بأن تقاطع بموجبه الجمعيات الحقوقية ليس فقط الرميد وإنما الحكومة عموما، لا ان تقبل أموالها، حتى ولو اقتضى الأمر أن يموت أعضاؤها جوعا وينجزوا مشاريعهم من اموالهم الخاصة، إنتصارا للمبدأ؛ لأنه لا حياة ولا حرية ولا حقوق مع قضاء مُهان وغير مستقل.

من جهة أخرى، يمكن لأي وزير في الحكومة أن يقلب الطاولة على حصاد إلا الرميد تحديدا، لأنه يعرف أكثر من غيره من هو حصاد ولمن يتبع، ولأنه أيضا أحب الوزراء وأكثرهم رغبة في البقاء في الحكومة لولاية أخرى !