كثير من المؤشرات تشير إلى أن المغرب عاد لسنوات الرصاص بـ"الفن".

فعندما يُعزل قضاة شرفاء وترى بعض "قضاة البصري" يتصدرون صفحات الجرائد الوطنية، بل ويتحكمون في بعض الجمعيات القضائية، فلا يسع المرء إلا أن يضع يده على قلبه قبل أن تقع "السكتة القلبية".

وفي عالم الإقتصاد، لم يمض على وصف رجل الأعمال كريم التازي للوزراء بـ” الكراكيز” واتهامه للحكومة بالفشل في محاربة الفساد، سوى أيام معدودة، حتى سارع بنكيران إلى إيفاد مفتشي وزارة المالية، لمراجعة الضرائب المترتبة على التازي، بعد أن زارته السلطات سنة 2011، داخل بيته لتبلغه قرارا مثيرا وغريبا، يقضي بمنعه من التظاهر في الشوارع رفقة نشطاء حركة 20 فبراير؛ فيما محنة زميله في عالم المال والاعمال ميلود الشعبي، تستحق أن تدرس في الجامعات العالمية، بعد أن منعته السلطات من مجرد إدخال حافلات لسوق يحوزه بمقتضى عقد كراء موقع من طرف عمدة مدينة الدار البيضاء، أيام قليلة على محنة محاولة بيع "أسواق السلام" في المزاد العلني بسرعة قياسية، لا تتسع لبيع دكان صغير، فبالأحرى شركة تضم 12 مركزا تجاريا على المستوى الوطني.

وفي مجال حقوق الإنسان، اقتحم قرابة 40 شرطيا حرمة جمعية تتمتع بصفة المنفعة العمومية، ومُنعت عشرات الندوات الفكرية، وحُرمت عشرات الهيئات الحقوقية من وصولات الإيداع، وأدين مستشار جماعي بثلاث سنوات سجنا، ظلما وعدوانا، وجرت تجاوزات ضد معتقلين إسلاميين باعتراف عاهل البلاد بنفسه، في تصريح صحفي لجريدة "الباييس" الإسبانية، دون أن يفتح تحقيق فيها لحد الساعة من طرف رئيس النيابة العامة، وهو بالمناسبة وزير "اسلامي" يا حسرة، بل وأزهقت أرواح مواطنين في أسفي وآسا الزاك وصفرو، ولحد الساعة لم يجر محاسبة من تسبب في وفاتهم، رغم اعتراف مؤسسة رسمية بمسؤولية السلطات على الأقل في وفاة كمال العماري ورشيد الشين.

في الصحافة فرضوا على زملاء شرفاء المنفى، وعلى آخرين المنع من الكتابة بطرق ملتوية، بل إن زميلا استعصى عليه مجرد الحصول على شهادة السكنى، وهي سابقة لم تحدث حتى في عهد "باحماد"، واطلقوا العنان لمواقع مشبوهة "تنهش" أعراض الناس، بقذارة فظيعة، وفتحوا باب القضاء لمحاكمة صحافيين على أفعال، يخجل المرأ من مجرد ذكرها، فبالأحرى أن يتبرأ منها أو يترافع ضدها.

وفي السياسة جاؤوا بـ"جنرالات الشعبوية والابتذال السياسي" إلى أمانات الأحزاب السياسية، بعد أن قادوا مسؤولين حزبيين أبرياء إلى الحبس، وفككوا تحالفات حزبية، بل والأفظع والأخطر بكل المقاييس، أن الجريمة السياسية اليوم باتت تُقترف بتنسيق مع رئيس حزب جاء من رحم الشعب المغربي، كما يجري اليوم ضد واحد من بين أشرف وأنزه رجالات السياسة في البلد، وقد قالها المحترم والرزين عبد العزيز أفتاتي صراحة، في تصريح صحفي: "إن القرار ضدي كان مُعدا سلفا"، وهو كلام خطير للغاية، يقتضي توضيحا عاجلا من بنكيران إن بقيت فيه ذرة كرامة وشهامة وأخلاق.

المغرب اليوم، تنتظره استحقاقات مهمة داخليا وخارجيا، لا يمكن كسبها بالعناد وقتل الصحافة المستقلة ومحاصرة الجمعيات الحقوقية الفاعلة والمناضلة، وعزل القضاة الشرفاء، والرهان على الدعاية الإعلامية المجانية فقط، بل بتمتين جبهته الداخلية، عبر إطلاق ورش مصالحة وطنية كبرى بين الدولة وهيئاتها الحقوقية والإعلامية والسياسية والمدنية، والأهم الكف عن التضييق على الصحافة المستقلة فعلا، و تمكين الجمعيات الحقوقية من وصولاتها القانونية والسماح لها بتنظيم أنشطتها، وفتح تحقيق قضائي نزيه في الحكم على المستشار بنسعدون ومحمد عنبر وعادل فتحي ومحمد قنديل ومحمد البقاش، وفي كل الأحكام التي تشوبها شائبة، ذرء لأي لبس، ومن أجل بعث أمل جديد في إمكانية العيش بأمن وأمان، داخل بلد، حباه الله بحرين وجوا معتدلا وأرضا خصبة وملكية تعترف بأخطائها وتتنازل وقت الشدة كما جرى في ملف "البيدوفيل الإسباني"، وشعبا "درويش"، لا ينقصه إلا "سلطات درويشة"، بدل إطلاق العنان لأطراف تصرفاتها محكومة بعقلية الماضي، الذي يُروج المغرب الرسمي أنه قطع معه، من خلال تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة.