حسن العاصي كاتب فلسطيني مقيم في الدانمرك

بلعَ رئيس السلطة الفلسطينية طُعم " الشاباك " ، ووقع في الفخ الذي خطط له ونفذه حهاز الأمن الداخلي في إسرائيل ، بهدف تفكيك الوحدة الوطنية الفلسطينية ، وتبديد الإنجازات التي حققها الفلسطينيين على أثر صمودهم في وجه العدوان الصهيوني الأخير على غزة ، ومحاولة الكيان الصهيوني أيضاً قطع الطريق على أية تفاهمات قادمة بين حركتي حماس وفتح .

فالرئيس أبو مازن صدّق المعلومات التي سرّبتها له أجهزة الأمن الصهيونية عن نية حركة حماس القيام بانقلاب على سلطة رام الله ، كما سبق وفعلت في قطاع غزة ،وسلّم محمود عباس بهذه المعلومات وتعامل معها على أنها حقائق ، فجنّ جنونه ومن حوله من رجالات السلطة في رام الله ، وبدأ هجوماً غير مسبوق على حركة حماس وقادتها في الداخل والخارج ونعتهم بأسوأ الأوصاف ، وسرعان ماأطلقت حركة حماس تصريحات وبيانات تنفي فيها صحة ماورد على لسان ابو مازن ، ونفت بشكل قاطع أية نية لديها للإتقلاب على سلطة رام الله ، الأمر الذي أدى إلى تدهور سريع في اللقاءات والمباحثات الفلسطينية- الفلسطينية التي كانت قد بدأت أثر وقف العدوان الصهيوني على غزة من أجل التوصل إلى مجموعة من التفاهمات متعلقة بالمرحلة المقبلة وكيفية إدارتها .
فما الذي حصل حقيقة ؟ وماهي حقيقة هذا الإنقلاب المزعوم ؟ إليكم الحكاية كما تناولتها الصحف الصهيونية :
اعتقل جهاز الأمن الداخلي الصهيوني قبل بضعة أسابيع مواطناً فلسطينياً من سكان قرية دير قديس في رام الله وهو في الثامنة والثلاثين من عمره ، متزوج وأب لطفبين ، يعمل تاجرأً ويكمل دراسته للحصول على لقب جامعي للمرة الثانية في حياته ، وكان قد أعدَّ بحثاً بعنوان "اتفاقيات أوسلو في ميزان .
الشرع" واتهمه الأمن الصهيوني أنه يرأس بنية حماس التحتية في الضفة الغربية.

وبعد تحقيق " الشاباك" مع رياض ناصر لمدة أكثر من خمسن يوماً بشكل متواصل ، قام جهاز الأمن الصهيوني بالإعلان أنه أحبط خلية لحركة حماس كانت تريد تنفيذ انقلاباً على السلطة الفلسطينية في رام الله ، وحسب المعلومات التي سربها الأمن الصهيوني ، فقد تم مصادرة حوالي أربعين قطعة سلاح وأكثر من نصف مليون شيكل ، كانت بحوزة خلية حركة حماس .
وجاء في محاضر التحقيق مع ناصر ، أن المحققين الصهاينة جربوا كل الحيل معه ، وحاول بعض المحققين التودّد له ، وحاول آخرون استعمال العنف معه ، وكان جزء مهم من التحقيق متعلق بالصراع العربي -الصهيوني .

وفي مكان آخر من ملفات التحقيق ذكر محققو "الشاباك" أن ناصر كان على علاقة مع صالح العاروري القائد الحمساوي الذي خرج من السجون الصهيونية عام 2010 بشرط المغادرة إلى الأردن ،وهو الآن موجود في تركيا ،وأثناء مرافقة ناصر لصالح العاروري من أجل وداعه على جسر اللنبي الذي يربط فلسطين مع الأردن ،قال صالح موجهاً كلامه إلى ناصر ،أن ايام حكم السلطة في الصفة الغربية باتت نهايتها قريبة ، وسوف ينشأ بعد ذلك فراغاً يجب أن تملؤه حماس، وهنا كتب المحقق في محضر التحقيقات : أن الحديث هنا يدور عن انقلاب يشبه ماحدث في غزة قبل ذلك .
لكن الحديث هما كان يدور عن أن الهدف هو انتظار انهيار السلطة ، لا الإنقلاب عليها ، وكان بعض قادة حماس يراهنون على قيام انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية ، تنتهي باستيلاء حماس على السلطة .

وقال ناصر أن أحاديثه مع صالح العاروري دارت حول فكرة تقوية حركة حماس بحيث تحل محل السلطة الفلسطينية في يوم من الايام حين تنهار السلطة ، وكان التقدير أن المسألة مسألة وقت .
وجاء في التحقيقات أيضاً أن الإتصال بين الرجلين كان يتم عبر قصاصات ورق ينقلها المدعو -م م- من وإلى الأردن ، وأن "الشاباك" حقق مع حوالي 46 شخصاً في هذه القضية ، ووجد أن 10 منهم يرتبطون بتهم متعلقة بالسلاح ، وأن الباقون ف كانوا قد شتغلوا بنشاط سياسي ، وقد قُدمت ضد المتهمين لوائح اتهام للمحكمة العسكرية الصهيونية في عوفر .
اللافت للنظر بقوة ، هو ما قاله المحامي صالح محاميد ، الذي يمثل رياض ناصر في هذه القضية : أن لائحة الإتهام ضد ناصر ، مضخمة جداً ، وأن لائحة الإتهام ستتقلص كثيراً ، لتصبح في نهاية الأمر "إنشاء خلية وتحويل أموال لاغير "، وقال المحامي فادي القواسمي ، الذي يمثل متهمين آخرين في هذه القضية ،أن جزءاً كبيراً جداً من الأنباء التي نشرت عن هذه الضية غير صحيح إطلاقاً ،فلا وجود بين الأدلة عن اي شيءٍ يشير إلى أن الخلية كان هدفها تنفيذ عمليات إنقلاب على السلطة .

هذا ما حصل ، وهذا ماجاء في الصحافة الصهيونية اليوم ،والمؤكد أن جهاز الأمن الداخلي الصهيوني سرَّب إلى أبو مازن محاضر التحقيق مع الموقوفين الفلسطينيين ، بالصيغة الأولى التي كتبها محققو "الشاباك" ، والتي بالغت كثيراً في تضخيم التحقيقات ، بهدف إثارة الفتنة بين أبو مازن وحركة حماس ، وهذا تقريباً ماحصل ، إذ أخذت السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بهذه التسريبات على أنها حقائق دامغة ، وغير قابلة للشك ، ولم تحاول أجهزة الأمن الفلسطينية حتى بذل جهود من أجل التأكد من صحة هذه المعلومات من عدمها .
فهل حقاً وقع أبو مازن في هذا الفخ ، أم أنه كان ينتظر هكذا ذريعة للإنقضاض على حركة حماس ؟
في ظني أن محمود عباس كان مستعداً لهكذا طعم ، في ظل أجواء متوترة فلسطينياً ، على أثر انتهاء العدوان الصهيوني على غزة ،ونتائجه المدمرة على الشعب الفلسطيني وأهل غزة الذين يحاولون

رفع الأنقاض ومداواة جراحهم ، لكن الصورة أبشع كثيراً من أن يجري معالجتها بسواعد أهل غزة فقط ،فهناك عشرات آلاف المنازل والمؤسسات والمدارس والمساجد والمصانع التي دمرت ، وهناك عشرات آلاف الجرحى والمصابين الذين يحتاجون إلى معالجة ، وعشرات آلاف العائلات التي فقدت منازلها وتحتاج مأوى ، ناهيك عن الأزمات المتأتية نتيجة تحطيم إسرائيل للبينة التحتية في قطاع غزة ، فلاماء ولا كهرباء ولادواء .
في ظل هذه الأجواء ، يجري الحديث أيضاً عن حكومة ظل لحماس في قطاع غزة ، وأن حماس لم تتقيد بتنفيذ بنود المصالحة الوطنية ومن أهمها تسليم السلطة إلى حكومة الوفاق الوطني ، ويجري تبادل الإتهامات بين حركة حماس وفتح حول الكثير من القضايا الخلافية بينهما ، الأمر الذي جعل أبو مازن مستعداً لقبول اي اتهام يوجه لحركة حماس ، حتى لو جاء من " الشاباك" الصهيوني، وعلى أثر ذلك بدأت حملة شيطنة حركة حماس ، والتهجم على قيادتها بذريعة انهم كانوا يعدون لتنفيذ انقلاب عسكري ضد ابو مازن وسلطته في رام الله .
إن محاضر التحقيقات في هذه القضية ، والتي نشرتها الصحافة الصهيونية تبين أن أجهزة الأمن الصهيونية سرّبت هذه التحقيقات بشكلمبالغ فيه وصورت الأمر على أنه انقلاب ، أبو مازن صدّق هذع الأكاذيب الصهيوينة . الكيان الصهيوني يريد تقويض المصالحة الوطنية الفلسطينية التي تحققت قبل عدوانه الأخير على غزة ، وتعززت خلال العدوان ، وتصلبت خلال المفاوضات التي تلت العدوان الصهيوني ، أبو مازن يريد سلب حركة حماس الإنجاز الذي حققته في صمودها خلال العدوان الأخير ،ولايريد أن تظهر حماس وغزة في صدر المشهد السياسي فلسطينياً وعربياً ، لكن الكيان الصهيوني من جهة ، وأبو مازن من جهة أخرى يتناسون حقيقة مهمة وهي أن الشعب الفلسطيني هو وحده من يملك القرار النهائي في خياراته الإستراتيجية ، وأن هذا الشعب الذي احتضن المقاومة ودعمها ، وقدم لها كل غالي ونفيس ،اختار أن تكون المقاومة عنوان المرحلة القادمة .