قبل الخوض في مستقبل البلاد لا بد أن أعود لمراحل مر منها المغرب كنت فاعلا وشاهدا عليها يوما بيوم بالرباط وسط النخبة السياسية و الحقوقية و النقابية و الإعلامية ابتداء من 1995إلى غاية 2009 ، حيث كنت أنشط في الشبيبة الاستقلالية و حزب الاستقلال و العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان و الجامعة الحرة للتعليم ، ومن المحطات النضالية أقف عند محطة1998كنا في مواجهة مباشرة مع إدريس البصري وزير الداخلية القوي و دامت مواجهة كسر العظام أسابيع إلى أن استسلم البصري و تخلى عن دوريته المشؤمة التي تعود بالمغرب إلى ما قبل الاستقلال ، و كنت من ضمن الخمسة أعضاء يمثلون سكرتارية التنسيقية الوطنية لإلغاء دورية وزير الداخلية التي تمنع عقد تجمعات في القاعات العمومية، و كانت هذه التنسيقية تتشكل من كبار القيادات السياسية و الحقوقية و النقابية اليسارية منها و الإسلامية و الوطنية دون الإدارية منهم عبد الرحيم الجامعي و عبد الرحمن بنعمرو و خالد السفياني و اللائحة طويلة ، و لم يكن للأصدقاء في العدالة و التنمية ذكر و لا يشكلون أي قوة تنظيمية أو وزن في الساحة، و بالفعل نظمنا وقفة احتجاجية أمام البرلمان لمدة ساعة، أتذكر أنه عند الثامنة صباحا أخلي شارع محمد الخامس من السيارات في انتظار المواجهة المحتومة وكان الجميع لا يعرف المصير الذي نحن مقدمون عليه،و كنا جميعا شجعان و تحدينا بقوة الإرادة جبروت ادريس البصري و انهالت علينا القوات العمومية بالركل و اللطم بالهراوات وحاصرونا في الحديقة المقابلة للبرلمان و رفعنا شعارات زلزلت الوزير المتسلط، و مرت الأيام و السنوات و كنت عضوا من اثنا عشر شخصا ضمن لجنة حزب الاستقلال لمدارسة مدونة الأسرة ،و كذلك عضوا في لجنة مراجعة الدستور شكلتها الشبيبة الاستقلالية قبل 15 سنة من الآن و بقي المشروع يراوح مكانه حتى جاءت رياح الربيع العربي و الحراك المغربي و تم تحيينه و تقديمه للجنة التي شكلها الملك لمراجعة الدستور بعد الخطاب الملكي في مارس 2011 .
هذا إلى جانب أني كنت من المؤسسين للهيئة الوطنية لحماية المال العام و التي تشكلت من أكثر من أربعين تنظيما حقوقيا و نقابيا و سياسيا و جمعويا.
و أعتقد أنه بعد مراحل متدرجة من الارتقاء بالعمل السياسي و الحقوقي و النقابي ، أعادت حكومة بنكيران العجلة إلى زمن مشابه لزمن البصري الذي كان فيه الاستبداد و الفساد ، و غياب كامل للديمقراطية التي تستدعي الإشراك و التشارك لصنع القرار ووضع الاستراتيجيات و البرامج و تنزيل القوانين التنظيمية المكملة للدستور ، و تحولت المعارك إلى معارك شخصية تدور رحاها حول شخصية بنكيران و فلتات لسانه و شخصية إلياس و تصريحه الذي يدعو فيه لمحاربة الاسلامين في تغييب القضايا الكبرى للوطن و المواطنين .
فبنكيران راكم من الخصومات الشخصية مع أغلب قيادات الأحزاب الأخرى و فشل في تنفيذ برنامجه الحزبي و الحكومي، حيث نسبة النمو لا تتعدى في أقصاها 3 % سنويا عوض 5 % كما تم التصريح به في البرنامج الحكومي ،و7 % حسب ما تم التصريح به في برنامج حزبه في الحملة الانتخابية لسنة 2011 ، ثم فشل في محاربة الفساد و تدحرج المغرب إلى الرتبة 88 عوض الرتبة 80 بإضافة ثمانية نقط سلبية ، و أغرق الدولة في المديونية الخارجية و الداخلية العامة للدولة حيث استمرت في منحاها التصاعدي طوال العشرية الأخيرة، وبلغت أكثر من 720 مليار درهم خلال العام الماضي، مقابل 385 مليار درهم عام 2007 ،و النتيجة فشل حكومي ذريع يغطيه بنكيران بالخطابات الشعبوية و النكت و الرقص على الأهازيج و التهجم على البام و شخصنة الصراع من خلال التهجم على إلياس العماري و شباط كأشخاص وكأن المعركة مع الأشخاص محاولا تبرير فشل حزب العدالة و التنمية الذي خيب ظن المغاربة بسبب قلة الخبرة في تدبير شؤون الدولة حيث لا يمكن الانتقال من مقر الحزب إلى مؤسسات الدولة دون خبرة لعقود داخل مؤسسات الدولة الكبرى ، وبالتالي لم يحقق حزب العدالة و التنمية المغربي ما وعد به و ما حققه مثلا حزب العدالة و التنمية في تركيا الذي نقل الدولة التركية من المرتبة 111إلى المرتبة العاشرة دوليا ، في حين أن المغرب يراوح مكانه بين الرتبة 125 و 130 ، و لا تقدم و لو طفيف ، و لا يبدو في الأفق أي انفراج سوى استمرار الملاسنات و الحروب الشخصية بين قيادات البام و قيادات العدالة و التنمية و سيضيع بينها الشعب المغربي الذي ينتظر أن يمر المغرب للديمقراطية و يحقق نسبة نمو متوسطة سنوية تفوق 7 % ، و هذا يتطلب خبرة أحزاب وطنية التي تم زعزعة أركانها من خلال التدخل في شؤونها الداخلية و إضعافها من الداخل و تشويه صورتها لدى الرأي العام، و لن تقوم قائمة للمغرب إذا لم يتم رفع اليد عن التدخل في حزب الاستقلال و الاتحاد الاشتراكي في ظل واقع حزبي فسيفسائي هش ، و لا حل للدولة المغربية لإعادة توازنها الاقتصادي و المالي و الرجوع للواجهة الدولية سياسيا و استراتيجيا لجلب الاستثمارات الكبرى سوى بإعادة إحياء الكتلة الديمقراطية و إضافة الحزب الاشتراكي الموحد لتشكلتها .
ما يجب الإجابة عنه من طرف كل الأحزاب السياسية هو الاستراتيجية و البرامج الاقتصادية و المالية و الاجتماعية و الإدارية الكفيلة بإخراج المغرب من الأزمة و الاحتقان الاجتماعي ، أما الملاسنات و المعارك الدونكيشوتية التي تخوذها الكتائب المتخلفة التي تدافع عن الباطل و تلبس الباطل بالحق فإنها ستكون سببا مباشرا في استمرار التخلف و الانحطاط السياسي الذي ينتج عنه بالضرورة تأجيل دخول المغرب لنادي الدول الديمقراطية و الصاعدة، و سيبقى يراوح مكانه فيما يسمى بالانتقال الديمقراطي خمس سنوات أخرى ، مما سيدفع فئات فاعلة في الشعب و الأغلبية الصامتة الناشطة بالفايسبوك إلى الدفع في اتجاه دمقرطة البلاد بسرعة .