في هذا المقال المثير يتحسر الدكتور والأستاذ الجامعي يحيى بن الوليد على واقع السياسة اليوم في المغرب على خلفية نتائج الإنتخابات والأجواء التي مرت منها والظروف التي تتشكل فيها المجالس الجماعية والجهوية، معتبرا أن المدخل اليوم لعلاج "الجسد السياسي" من الأمراض التي أصابته هو تدخل الأكاديميين.

يُشار إلى أن بن الوليد هو رئيس فرع "الإتحاد الإشتراكي" بأصيلا وقد دبر ادريس لشكر انقلابا مثيرا ضده في سرية تامة بطنجة، قبل أن يضع على رأس الفرع شخصا لا علاقة له بالإتحاد، قبل أن يحصد الحزب صفر مقعد في الإنتخابات الأخيرة.

ضرورة تدخّـل الأكاديميين...


عرّت الاستحقاقات الأخيرة، بالمغرب، عن جذور عارية أصلا. نسخ مكرورة من وجوه حقل سياسي منمّط ومرتّب وبلغة سياسية متدنية ومتيبّسة ومنهكة، مغلّـفة بشعارات جوفاء تنطبق على أي حزب دون أن تنطبق على حزب بعينه. وهذا شيء طبيعي، ذلك أن الأحزاب تساوت في ما بينها من ناحية انتفاء اعتماد لغة المؤشرات في التواصل السياسي، وهذا بالرغم من بعض الاختلاف على مستوى الأداء. إضافة إلى أن السلطة صارت تمارس من "الأسفل إلى الأسفل" بدلا من "الأعلى إلى الأسفل"، وقد كان لـ"الزعماء الجدّد" الدور الحاسم في الترسيم الخرائطي لهذا التحوّل والدفاع عنه.

وما يضاعف من "الكارثة" استمرار الوجوه نفسها في التحليل الهادئ والفوقي، ومن المنابر نفسها، وكأن السياسة بالمغرب ظاهرة سياسية مجردة وليست ظاهرة اجتماعية أيضا أو ربما في المقام الأوّل؛ ممّا يحتم الانفتاح على العلوم الاجتماعية لتفكيك الأنساق التي كانت وراء أحداث عائمة وهجينة ووراء لاعبين سياسيين غير مقنعين. والأخطر أن هؤلاء اللاعبين يتحرّكون بأحجام تفوق أحجامهم الطبيعية ودونما مبالاة بما يلاقونه من اعتراض يبلغ الحد مضايقتهم ومنعهم من الكلام.

لقد حصل، وعلى أكثر من مستوى، استسهال للعمل السياسي. فالواقع السياسي السائد يعاني من أورام زائدة وممعنة في الانتفاخ والتهام الهوامش الباقية، ولا بد من عملية جراحية كبرى لاستئصال الأورام الزائدة. والمدخل الأنسب لذلك هو تدخّل الأكاديميين بالاعتماد على مقاربات منظورية يتشابك فيها "التشخيص غير الرحيم" (كما طالب به العروي مرّة) مع التقويم الجريء بالنظر للزبالة السياسية ــ ولحشراتها السياسية ــ التي صارت تحاصرنا من جميع الجهات.