لا يمكن لأحد ممن كان سليم الضمير، نقي القلب، صافي الشعور والعاطفة، سوى أن يتعاطف ويتضامن ويتواد، مع الدكتور الهيني، في مظلمته التي دخل بها التاريخ من أمجد أبوابه، وأشرف مداخله، وسكن بها قلوب المغاربة الساكن منهم أكثر من الناطق.

القاضي العبقري الألمعي، الذي لم يظلمه شخص بذاته، وإن تهاتفت الألسن باتهام أشخاص ما، ولم تظلمه فئة بعينها، من صلب القضاء أو من صلب السياسة، وإن وقع في ورطة التفريط به، بعض ممن يصلون بالقضاء ومن ينسبون للسياسة، ولكن القاضي الهيني الذي تخلد في الصفائح المشرقة للتاريخ القضائي المغربي، جار عليه زمانه وعصف به عصره، لأنه ومن عظمة روحه وسليقته وفطرته، التي قدت من الإباء في الحق، سابق عصره وتخطى زمانه، فكانت هي الجريرة في حياته.

فلم يكن القاضي الهيني، وهو يتنزل به من منصة القضاء، صريع حسابات أشخاص أو فئات، بقدر ما كان حالة وظاهرة من النبوغ القضائي، ترتقي فوق حسابات الأشخاص والفئات، لأنها ظاهرة تقصدت النفاذ بالقضاء من برج السكون والتحفظ والتسامي، إلى عالم المشاركة والمخالطة والتماهي، في ساحة المجتمع الفسيحة، بالرأي والموقف والتعبير الطليق المتحرر من أسار مقاليد المسؤولية الحاكمة.

ولأن الزمن لم يحن بعد، لكي يتساكن القضاء مع الرأي، من داخل قلعته المنيعة، ويتهادن مع الاجتهاد الذي يجترح الجراءة على صرامة الطقوس وانقباضها، فقد كانت ظاهرة القاضي المفكر والمعبر والمتحرر، تلك التي تمثلها الدكتور الهيني بنبوغه المبكر، وتمثلها صنوانه ومن على شاكلته، حالة سابقة لأوان استيعابها وتبنيها والترقي بها إلى حيث المعارج الذهبية والمتألقة للقضاء.

وإذا كان القضاء سدة رفيعة في المجتمع، وصفوة مصطفاة من نخبة الأمة، فإن المغرب حري به وحقيق عليه أن يفخر ويتفاخر بالدكتور الهيني، ابنا أصيلا له، من أفذاذ أبناءه الذين قدروا على أن ينفذوا إلى هذه السدة الرفيعة، وأن يقتعدوا لهم مقعدا في طليعة هذه الصفوة، من واقع البساطة والحاجة والهون والحرمان، فقد نشأ النشأة العصامية، لما أنتجه رحم الشعب، من أعماق قاعدته فقرا وإملاقا، في قلب أسرة شريفة بالعزة والأنفة، من نسيج الأسر التي تملأ هذا الوطن المغربي فخارا وسؤددا، ولا تسأل الناس إلحافا، وتعلم من هذه الأسرة كيف يغالب البؤس واليتم والضياع، ويشق طريقه الصعب متفوقا على أقرانه، في سلم الدراسة والتحصيل، متدثرا بالصبر والعزم والخلق القويم، لا يضره جوع ولا برد ولا شظف حياة.

ومن صخر الإصرار والإقدام واقتحام العقبات، اقتدت نفسه التي ولعت بالقضاء اختيارا ومصيرا ومنهج حياة، فكان القضاء بالنسبة إليه مسكنا ومرقدا ومثوى يأوي إليه إيواء العاشق الولهان، ومحرابا يتعبد الله الحق في فناءه وكنفه، ويمارسه بوجدان التجرد والتحرر، وبمواجيد الشعور بالنبل والمروءة والزهد والنزاهة، ولذلك كان الدكتور الهيني وهو يتقلد مسؤولية القضاء، لا يغويه بريق سوى بريق الكفاءة التي كان في دائم شحذ همته من أجلها، ولا يصرعه هدف غير هدف انتزاع حقوق المستضعفين من أنياب التغول، سواء كان التغول من إدارة أو دولة أومن جبروت أشخاص، ذلك عالمه وتلك متعته وهذه ملذته، غير أن من العشق ما قتل.

واليوم، والدكتور الهيني وهو قتيل عشق القضاء، لا زالت نفسه تمور بغليان الحب لامتهان خدمة قداسة الحق والعدالة، ولازال طاقة مشبوبة بنفائس العطاء للبلاد في مجال بناء صرح العدالة، الصرح الذي لازال في طلب مزيد من أكفأ القدرات، وأمهر الاستعدادات، وقد نذر الدكتور الهيني نفسه لهذه الغاية من بوابة أخرى هي بوابة المحاماة، الوجه الٱخر للقضاء، والركيزة الثانية للعدالة، إذ لا قيام لبنيان العدالة سوى بقائمتي مهنة الدفاع ومسؤولية القضاء.

والدكتور الهيني، بالمراس الذي اكتسبه في منصة القضاء، وبالمعرفة الواسعة التي حازها باحثا ومجتهدا وفقيها في احتراف تطبيق القانون، وبالأخلاق والشيم التي اشتهر بها وهو يقضي للبلاد، شيم الشرف والنبل والمروءة، هو إحدى الجواهر النفيسة لهذه البلاد.

والمغرب الحريص على كنوزه البشرية، التي يضارع بها إمكانيات الأمم الأخرى، يقف في مفرق طريقين، بين أن يأخذ بشماله جوهرة جادت بها يمينه، فيهبها للشعب وللوطن ذخيرة حافلة بالمكنون من اللٱلئ القانونية والقضائية لخدمة قضايا الأمة، مواطنين ومؤسسات، ومجتمعا ودولة، فيفتح أعطافه له محاميا ومرافعا بارعا، وبين أن تضيع منه جوهرة، وتنخمد بين يديه طاقة، وتحترق في أعماقه أفئدة ناصرت وتعلقت بحب الدكتور الهيني، القاضي سابقا، والقاضي أبدا، والمحامي غدا.