لحسن عدنان

يوسف السباعي، واحد من أشهر كتاب الرواية والقصة القصيرة في العالم العربي، أشهر من نار على علم كما يقال. له كتابات عميقة، تنبئك عن رجل عارك الحياة واختبرها وعاش تجارب كثيرة اهلته أن يكون حتى في قصصه "حكيما".

هو فارس الرومانسية بامتياز، رغم أن مساره الوظيفي قد يبدو قريبا من كل شيء إلا من شيء إسمه الرومانسية، فهو في الأصل ضابط، لكن رغم انضمامه إلى كلية حربية، مع ما يستلزمه من صرامة وانضباط في العمل العسكري، فإن ذلك لم يمنعه من أن يكون صاحب قلب رقيق ، حيث صاغ برقته وإحساسه المرهف كثيرا من أروع القصص الاجتماعية والرومانسية ، بعضها تحول إلى أعمال سينمائية. وكان أيضا دبلوماسياً ووزيراً .
من أشهر رواياته،التي تحولت فيما بعد إلى فيلم سينمائي، رواية ( أرض النفاق ) ، أراد من خلالها أن يسقط كثيرا من الأقنعة التي تغطي وجوها عديدة فلا تظهر على حقيقتها، خاصة في الحياة الاجتماعية . وأغرب ما في هذه الرواية، ليس موضوعها فحسب، ولكن طريقة الإهداء والتقديم.
فأما الإهداء، فقد جاء على الشكل التالي:
(إلى خير من استحق الإهداء
إلى أحب الناس إلى نفسي
وأقربهم إلى قلبي
إلى يوسف السباعي
ولو قلت غير هذا
لكنت شيخ المنافقين
من أرض النفاق
" يوسف السباعي "
وفي تقديمه، يواصل بنفس نبرة الصراحة والوضوح، بعيدا عما تعود عليه الكثيرون من إظهار التواضع والزهد والاستغناء عن حب الظهور ، حيث يقول واضعا نقطا ساطعة على حروف كبيرة ..بكبر إسمه هو وحده :
(إني أريد كل شيء أريد ما بالدنيا وأنافي الدنيا ..أما الخلود ..والذكرى..والتاريخ..فما حاجتي لها وأنا عظام نخرة تثوى في قبر بقفرة ..ما حاجتي إلى تقدير الأحياء وأنا بين الأموات؟....ما حاجتي إلى أن يذكروني في الدنيا وأنا في الآخرة!!ويمجدوني في الأرض وأنافي السماء؟!
أني أبغى المديح الآن ...والتقدير الآن..وأنا أسمع وأحس...فما أمتعني شيء كسماع المديح والتقدير ..قولوا عني مخلصين ..وأنا بينكم ...إني كاتب كبير قدير شهير ... وإني عبقري ..ألمعي ...لوذعي.

فإذا ما متُ، فشيعوني بألف لعنة ، واحملوا كتبي فأحرقوها فوق قبري ، واكتبوا عليه : " هنا يرقد أكبر حمار .. أضاع عمره في لغو وهذر " .
إني لا شك رابح كاسب .. لقدسمعت مديحكم وأنا حي محتاج إليكم .. وصممت أذني عن سبابكم وأنا ميت ، أغناني الله عنكم وعن دنياكم .
هل علمتم لِمَ أهديت الكتاب إلى نفسي ؟ )

استحضرت هذه المقدمة التي تذكرتها بعد عشرين سنة مضت على قراءة هذه الرواية... وعلى أول مرة عرفت فيها الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
كان ذلك سنة 1993 بقصر المؤتمرات ، بمدينة مكناس، حيث ألقى الراحل محاضرة تحت عنوان : ( الدراسات المستقبلية والوضع الدولي ) ، وهي المرة الأولى التي نسمع فيها شيئا جديدا حول موضوع لم نكن نعرفه كتلاميذ، بالكاد، غادرنا الثانوية . المحاضرة موجودة على بعض مواقع الأنترنيت لمن أراد أن يعود إليها، ليستمع إليها ..وقد أصبح المستقبل حاضرا،وبعضه ماضيا بعيدا.
أذكر مقتطفات خاصة من تلك المحاضرة بالضبط، وهو ما كان يستجيب يومها لتطلعاتنا وأشواقنا كشباب حالمين بالغد المشرق،وبمستقبل زاهر،وغد أجمل..
رغم أن الموضوع علمي بامتياز، فإن الراحل كان طوال المحاضرة مسكونا بهاجس السياسي الذي ينتقد بقوة إلى حد التعنيف بل القسوة في التعنيف ..
من التفاتاته يومها ، هو انتقاده لوجود صفوف أمامية خاصة بعلية القوم، وهو ما لا يتماشى والمساواة أو الديمقراطية.. وهو ما أزعج فعلا "علية القوم " الحاضرين ..
بعدها قال ما معناه، أنا لا يزعجني أن أرى من لا يعجبه كلامي يغادر القاعة .. فهو حر .. أو شيء من هذا القبيل.
كان في كلامه قاسيا على القوم الذين لم يعودوا يطيقون كل هذه القسوة .. فانسحبوا غاضبين ..
هنا، كانت فرصتنا نحن معشر الشباب الثائرين يومها،الحالمين بالفتح المبين، الساعين إلى القمة ..وليس شيئا دون القمة...
يا ليت الشباب يعود يوما **** فأخبره بما فعل المشيب
تحركنا في اتجاه المنصة نصفق بحرارة، ونحيي الرجل على شجاعته وجرأته ، ونتمتع "بتلك الانتصارات" في قاعة المحاضرات ..
كلمات الراحل المهدي المنجرة صادقة، وفيها من شحنة الانفعال والغضب الكثير...لكن صدقه يشفع له. أما كتاباته المستقبلية،وصيته العالمي، فشخصيا لا أستطيع الخوض في ذلك ،ليس لي الاطلاع الكافي على ذلك. وهو موضوع يتطلب قراءات كثيرة، وكثيرا من التخصص أيضا.
لكن نعرف أنه قامة كبيرة في مجاله، وله صيت عالمي، ومعترف به في بلدان كثيرة، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية واليابان.

قضى الرجل المرحلة الأخيرة من عمره يعاني المرض والعزلة، قلما كنا نسمع عنه خبرا هنا أوهناك.أكيد أن ذلك أشعره بخيبة الأمل من مواطنيه الذين كانوا يقدرونه ويحترمونه، لكنهم انشغلوا في غمرة الحياة بأمور أخرى، قد تكون بسيطة جدا. أما أولئك الذين كان يزعجهم صوته ونقده فأكيد أنهم لم يكونوا ليبالوا به حيا فكيف يبالون به ميتا ؟
سترتفع الأصوات اليوم كي ترثي الراحل، وتذكر بمناقبه وفضائله، وتعلو به إلى سماء عالية، تجعله في مصاف القديسين. لا لشيء، سوى لأن الموت غيبه إلى الأبد.

وكأن التكريم لا بد أن يكون بعد الممات...
والسؤال : لماذا لا نكرم عظماءنا وهم على قيد الحياة؟
لماذا ندفعهم أن يصبحوا أنانيين ونرجسيين ..فيضطرون أن يهدوا أعمالهم ربما لأشخاصهم وهم على قيد الحياة، لأن ما يقال عنهم وقد رحلوا، يبقى مجرد كلام في كلام..
رحم الله الدكتور المهدي المنجرة...وبوأه من الجنة مقعدا..
ولكم أنتم "واسع الكلام"..