صحيح أن سياسات أردوغان خلقت له أعداء كثيرين في الداخل والخارج بسبب تطلعاته الإستبدادية ومساهمته الفاعلة مع حلفائه الإقليميين في إشعال نار الفتن في الشرق الأوسط وسوريا على وجه الخصوص، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون مسوغا يمنعنا من رفض مشروع عسكرة تركيا الذي أجهض في مهده بفضل الهبة الشعبية التي أكدت أن الأتراك يؤمنون بأن مستقبل بلدهم لا يمكن أن تصنعه فوهة الدباباتوبذلات الجنرالات. لذلك يحق لكل أحرار هذا العالم، بل ينبغي لهم، أن يفرحوا بفشل محاولة الإنقلاب العسكري في هذا البلد لا من أجل أردوغان، ولكن من أجل تركيا الديموقراطية.
اختار الأتراك إذن حماية الديموقراطية في بلدهم، فخرجوا بصدور عارية في مواجهة دبابات وأسلحة الإنقلابيين. هم فعلوا ذلك ظاهريا استجابة لرئيس الدولة الذي دعاهم في رسالة عبر تطبيق " سكايب" إلى الخروج إلى الشارع من أجل التصدي للمحاولة الإنقلابية. لكنهم لم يخرجوا لنصرة أردوغان، بل لنصرة الدولة المدنية بإشراطاتها الديموقراطية التي أهلت بلاد الأناضول لتصبح قوة سياسية واقتصادية وازنة في المنطقة. وليس مهما بعد إفشال هذه المحاولة أن نتساءل عن مستقبل أردوغان وحزبه. هل سيتقوى أكثر أم يصيبه الضعف والوهن؟. الأهم من هذا هو التساؤل عن مستقبل تركيا، وعن الدروس المستفادة من كل ما حدث خلال الساعات القليلة ليلة الجمعة.
الجيش التركي يمتلك تاريخا كبيرا مع تجربة الإنقلابات التي بدأت سنة 1960 ، وامتلك معه البلاد تجربة التعافي باستمرار من صدمات العسكرة. لكن الإنقلاب الأبيض لسنة 1997 الذي أسقط رئيس الوزراء نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه الإسلامي الذي تم حله بعد ذلك، كان آخر عهد العسكريين بعاداتهم الإنقلابية. وبدا بعد ذلك أن هذه العادة قد ولت إلى غير رجعة، لكن ملامح الصراع الخفي في أكثر الأحيان والمعلن في بعض الأحيان بين قادة المؤسسة العسكرية (التي ينظر إليها كحامية للعلمانية الأتاتوركية) وزعماء حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا منذ انتخابات 2002، وخصوصا بعد سيطرة أردوغان على سلطة القرار في الحزب والدولة... انتهت إلى عودة شبح الإنقلابات من جديد دون أن تنجح في إسقاط نظام الحكم هذه المرة. والواقع أن السبب الرئيسي الذي أجهض المحاولة بالإضافة إلى الرفض الشعبي هو انقسام القادة العسكريين، حيث وجد الفصيل الذي اختار المضي في العملية الإنقلابية نفسه في دائرة ضيقة يواجه الشعب والجيش معا.
هذا الإنقسام في صفوف الجيش يثبت أن التوجه العام لدى المؤسسة العسكرية في تركيا بات مقتنعا بأن وظيفة الجيش هي حماية البلد، ومكانه هو الثكنة وليس قصر الرئاسة. وكان واضحا أن هذا التوجه أصبح قناعة راسخة لدى الشعب التركي المتشبع بقيم الديموقراطية والمواطنة والمدنية. فقد أظهر الأتراك أنهم مواطنون لا رعايا. وتناست كل الأطياف السياسية المعارضة لتوجهات وسياسات البيجيدي التركي خلافاتها مع أردوغان لتصطف بجانب الشرعية الإنتخابية التي أفرزتها إختيارات شعبية حرة عبر صناديق الإنتخاب. والملاحظة التي لا تخظئها العين في مختلف الساحات التي نزل إليها الأتراك للتعبير عن رفض الإنقلاب والدفاع عن المؤسسات هي أن القاسم المشترك بين المتظاهرين هو رفع ألوان العلم التركي، لأن الأمر يتعلق بمستقبل ومصير البلد وليس بشخص أردوغان نفسه. وهذا يعني أن الذين خرجوا للشارع من أجل حماية الخيار الديموقراطي لم يكونوا من أنصار العدالة والتنمية فحسب، بل ينتمون إلى مختلف الأحزاب والإتجاهات والمواقف. ( المفارقة أن البيجيديين المغاربة تحولوا على صفحات التواصل الإجتماعي إلى أردوغانيين، وزينوا بروفايلاتهم بصور السيد رجب وقنديله المتوهج).
رسائل شعب المواطنين الذين تصدوا لمحاولة الإنقلاب موجهة للداخل التركي وللخارج أيضا. وعلى زعيم الحزب الحاكم في تركيا أن يلتقطها جيدا، ويتوقف عن طموحاته الإستبدادية التي يحاول فرضها من خلال مشروع التعديل الدستوري الذي يريد تحويل الحكم إلى نظام رئاسي لتمكينه من مزيد من الصلاحيات. وإذا وجد الأتراك أن هذا المسعى السلطوي يمكن أن يهدد ثوابت الديموقراطية في بلدهم، فإنهم سيتصدون له لا محالة.أما الدروس المستفادة في الخارج فعنوانها أن الشعوب الحرة قادرة على حماية قيمها الديموقراطية وحراستها بدون رصاص ولا قنابل ولا قاذفات.