يوسف الإدريسي

في خطوة استباقية، ودرءا لأي أزمة محتملة بين الإطارات النقابية وحكومة بن كيران بخصوص إصلاح نظام التقاعد الذي أسال المداد في الآونة الأخيرة، دعا الملك في خطابه الأخير "النقابات الجادة" حسب توصيف نص الخطاب إلى الدفاع عن حقوق ومصالح الطبقة العاملة، مثمّنا ما أسماه "السلم الاجتماعي".

ويأتي هذا الخطاب، بُعيد مشاورات المسؤولين النقابيين حول الاستعدادات لخوض تصعيد نضالي ضد مضي الحكومة قدما نحو تمرير ما بات يسمى بإصلاح نظام التقاعد.
إشارات ملكية ستسيل لعاب الزعامات النقابية في التقاطها ومن ثمّ تحويلها إلى أوراق رابحة قد تنسيها عنتريات النضال وحرارة السجال، استعدادا لبيع الأرض والعرض مقابل كرم سياسي والحفاظ على الكراسي.

أورد هذا الكلام وأنا أستذكر مرحلة الاستثناء التي شهدها المغرب مابين 1965 و1975 واستأسد إبانها اليسار المغربي في معارضة النظام الملكي، الذي استطاع وقتئذ بدهاء الحسن الثاني تليين مواقف المعارضين وتغيير خططهم وتصوراتهم عبر آلية الاختراق المفضي إلى الانشقاق، حيث سيتم انفصال عبد الرحيم بوعبيد عن حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بعد ما تم انشقاق مفتعل داخل الحزب، وبذلك تخلى القيادي اليساري عن الاختيار الثوري لصالح الاختيار الديمقراطي. ترويض محبوك تمخض عنه إشراك مشاكسي المعارضة في الحكومة لتأمين التمرير السلس لسياسات واستراتيجيات حدّدت بشكل مسبق.

من هنا جاز لنا أن نطرح استفهامات استفسارية في خضم امتدادات وانبثاقات سياسة العقل السياسي الرسمي؛ ألم يسبق للزعيم الكونفدرالي أن دعا من خلال المجلس الوطني لنقابته المنعقد يوم السبت 29 أكتوبر 2011، الطبقة العاملة وعموم المواطنين إلى الخروج من اليأس وإعادة الثقة والأمل بالانخراط الشامل في خوض المعركة الديمقراطية، الرامي إلى مناصرة ومساندة المرشحين الديمقراطيين التقدميين من الأحزاب المساندة ل ك.د.ش، حسب تعبيره.

ألم يعتبر الانتخابات التشريعية 2011 فيصلا ديمقراطيا ولحظة تاريخية في المسار السياسي للبلاد.

ألم يكن القائد التاريخي يراهن على حزب المؤتمر الوطني الاتحادي الذي لم يحصل على أي مقعد سياسي وخرج بذلك يجر أذيال الهزيمة السياسية.

ألم يصرح الميلودي موخاريق في تجمع للنقابيين الشباب إبان حراك 20 فبراير وهو يوجه الكلام إلى منخرطي نقابة بن الصديق "لو كانت شبيبتنا في عافيتها لدفعنا بها في قلب الحراك الشبابي.." في محاولة للتملص من المسؤولية التاريخية.

ألم يحث الاتحاد المغربي للشغل الطبقة العاملة بالمغرب على التصويت بنعم لدستور 2011، بالرغم من معارضة تيار عبد الحميد أمين، في سابقة تاريخية لذات الإطار حول موقفه الرافض لدساتير 62، 70، 72، 92، 96.

ألم يفصح الكاتب العام للمركزية النقابية المقربة من حزب الاتحاد الاشتراكي لإحدى الوكالات الإخبارية الفرنسية عقب استضافة مستشار الملك للزعماء النقابيين الخمس، بأن المغرب ماض في الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مؤكدا أن المملكة المغربية لا يمكن أن تظل غير عابئة بما يدور حولها.

مرة أخرى يتكرر السيناريو الرسمي في وضع الزعامات النقابية على محك المصداقية، وسيتضح جليا إن كانت هذه الزعامات تنتمي إلى عالم الطبقة العاملة أم أنها زعامات سياسية بجبة نقابية.