مثل الخطاب الملكي بالبرلمان نموذجا قويا في مجال التواصل السياسي .خطاب اقتصادي في تركيبته اللغوية حيث انه لم يتجاوز 1095 كلمة ومدة زمنية لم تتجاوز 13.04 دقيقة لكنه جاء خطابا غنيا بالرسائل والدلالات موجهة الى من يهمه الأمر. منتج الخطاب - اي جلالة الملك- وشروط إنتاجه ونوعية متلقيه حولته لخطاب ناطق باسم الحقيقة والواقعية بعيدا عن خطابات التبرير او الدفاع او اللغو او التشكي والتضخم اللغوي.

الخطاب الملكي الموجه للبرلمان كان خطاب انطولوجيا سمى الأشياء بأسمائها ورقى بالعلاقة الجدلية بين اللغة والسياسة مما جعل لغة الخطاب تتألق كمرجعية داخل عالم السياسة .والأكيد ان حضور الجانب الاقتصادي اللغوي في الخطاب يذكرنا ما قاله جان جاك روسو : ان اللذين يعرفون قليلا يتكلمون كثيرا والذين يعرفون كثيرا يتكلمون قليلا.
الخطاب الملكي الوجه الآخر للسياسة: لغة الخطاب الملكي ووضوحه وواقعيته وجرأته غيرت نظرة المواطن لعلاقة الخطاب بالسياسة في زمن كثر في اللغو وغابت فيه السياسة بمعناها الدقيق.لغة الخطاب الملكي صنعت الحدث السياسي وجعلت المواطن يفهم معنى اللغة السياسية ودلالة السياسة المغربية محولة الخطاب الملكي الى آلية أساسية من آليات العمل السياسي بالنظام السياسي المغربي الذي يعرف تحولات في عالم سياسي جديد يتشكل وفق معايير السياسة الدولية التي يفرضها النظام الدولي الجديد الذي احدث ثورة تغيرت معها القيم والمفاهيم والقوانين والمشاريع ومهام المؤسسات التمثيلية بقدر ما تغيرت وظائف القوى والأحزاب والمؤسسات. مما جعل من الخطاب الملكي خطاب مرجعية لنشوء سياسة وممارسات سياسية جديدة تتجاوز نوعية وشكل سياسة المؤسسات و ممارسات وخطابات الفاعلين السياسيين التي ما زالت سجينة ثقافة القرن 20 .الخطاب الملكي كان واضحا ان مغرب اليوم في حاجة لسياسة ومؤسسات وفاعلين وخطابات وزعماء مؤهلين لمواجهة تحديات مغرب القرن 21 عبر الابتعاد عن مواقع الهامشية والتخلي عن سياسة الأشخاص الى سياسة المؤسسات.
رسائل الخطاب الملكي : رسائل الخطاب الملكي لم تتعال عن شروط انتاجه مما جعلت منه خطاب الوضوح والجرأة والمواجهة وإرجاع بعض الأمور الى نصابها في زمن سياسي لم يعد المواطن يعرف فيه من يقول له الحقيقة ومن يكذب عليه. والمتأمل في رسائل الخطاب الملكي يجد انها تتوزع بين ثماني رسائل أساسية ندرجها على الشكل التالي:
-1- تحميل الحكومة والبرلمان مسؤولية عدم الالتزام بمبادئ الدستور: تفعيلا للفصل 42 من الدستور المغربي الذي ينص على ان الملك رئيس الدولة،..... وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الاسمي بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الخيار الديمقراطي......، طالب الخطاب الملكي الحكومة والبرلمان الالتزام بالفصل 86 من الدستور الذي يحدد نهاية هذه الولاية التشريعية كآخر أجل لعرض القوانين التنظيمية المتعلقة بالطابع الرسمي للغة الامازيغية وبالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية والقانون التنظيمي للإضراب وبمشاريع القوانين التنظيمية الخاصة بالسلطة القضائية، إضافة إلى مشروع قانون هيأة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز.
وبكيفية صارمة تساءل الخطاب الملكي عن أسباب عدم تحيين قوانين عدد من المؤسسات، رغم مرور أربع سنوات على إقرار الدستور؟ وماذا تنتظرا لحكومة والبرلمان لإقامة المؤسسات الجديدة التي أحدثها الدستور؟
ونخص بالذكر بعض المؤسسات الحقوقية والرقابية، والمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي؟ انها اسئلة قلقة ومحرجة للحكومة وللبرلمان .لكن والسؤال الخطير والمقلق حقا هو هل ما تبقى من عمر الحكومة والبرلمان كاف لإخراج هذه القوانين التنظيمية الهامة بصيغة جيدة شكلا ومضمونا؟ .
-2- أحزاب سياسية تائهة متشبتة بالأشخاص عوض المؤسسات: ردود الفعل التي صدرت عن بعض قادة الأحزاب اتجاه نتائج الانتخابات الجماعية والجهوية وانتخاب أعضاء مجلس المستشارين لم تكن ردود فعل مسؤولة واتهام الدولة ووزارة الداخلية بالتدخل وبالتزوير خصوصا من طرف قادة الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والاصالة والمعاصرة جعلت جلالة الملك يرد عليهم بقوة وبصرامة- مستعملا صيغة التوكيد نرفض الاتهامات الباطلة- مبرهنا على ان الحياة السياسية لا ترتكز على الأشخاص بل على المؤسسات طالبا من الأحزاب ان تقوم بنقد ذاتها قبل نقد الدولة وباقي مؤسسات الدولة مؤكدا على ان انتخابات 4 شتنبر تميزت بمعطين هامين :اولها ان نتائجها كانت تجسيدا لإرادة المواطن وثانيهما ان الضمانات التي تم توفيرها لتنظيم هاته الانتخابات تضاهي مثيلاتها في اكبر الدول الديمقراطية .
-3- الانتخابات هي التداول على السلطة وليس الخلود في السلطة: بلغة سياسية أكد جلالة الملك ان الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها وانما هي البداية الحقيقية لمسار طويل ينطلق من إقامة المؤسسات وإضفاء الشرعية عليها من خلال تحويل البرامج الانتخابية الى أفعال ومنجزات وان مبدأ الانتخابات مبنيا على معادلة الفوز او الفشل كما هو حال الديمقراطية الحقة بكونها تداولا على ممارسة السلطة وليس الخلود في السلطة .وأثناء حديثه عن الأجواء العامة التي نظمت فيها الانتخابات كان الخطاب الملكي حاسما بانها توفرت فيها الضمانات المتداولة في الدول الديمقراطية معترفا انها عرفت بعض الاختلالات والتجاوزات لكنها تبقى معزولة مضيفا ان من حق اي مرشح او حزب اذا شعر بالظلم عليه اللجوء الى القضاء وبداية العمل عن كيفية كسب ثقة الناخبين في الاستحقاقات القادمة عوض الاستمرار في البكاء على الأطلال.
-4- المشاركة المكثفة في الانتخابات لسكان الصحراء الية ديمقراطية للتشبث بالوحدة الترابية: لاحظ المهتم الدقيق ان قضية الصحراء لم تكن حاضرة بكيفية مباشرة في هذا الخطاب الملكي رغم تزامنه مع حدث موقف السويد للاعتراف بالجمهورية الوهمية وهو ما يعني ان جلالة الملك لا يولي اي اهتمام لهذا الحدث امام واقع نسبة المشاركة المكثفة لسكان الإقليم الجنوبية في الانتخابات الأخيرة وهو ما يؤكد تشبت أبناء الصحراء بالوحدة وحرصهم الانخراط في المؤسسات المنتخبة الوطنية وان الشرعية الديمقراطية التي اكتسبها المؤسسات هي المخولة لها تمثيلية سكان الصحراء المغربية وليس أقلية تعيش خارج تلك الأراضي والفاقدة لكل الشرعيات .والأكيد ان رؤساء جهات وجماعات الأقاليم الصحراوية الفائزين في انتخابات 4 شتنبر يوجدون اليوم امام مسؤولية تاريخية حاسمة لجعل المؤسسات المنتخبة في خدمة القضية الترابية والمواطنين .
-5- المواطن المغربي أكثر نضجا من مؤسساته الحزبية :رسالة الخطاب الملكي الى الأحزاب السياسية في موضوع علاقة المواطن بالفعل الانتخابي كانت واضحة وعلى الاحزاب السياسية ان تعي بان المواطن اصبحت له كلمته، حيث اصبح اكثر نضجا في التعامل مع الانتخابات واكثر صرامة في محاسبة المنتخبين حيث انه اصبح يميز بين الأحزاب الجادة وبين الأحزاب المنافقة .
-6- صورة المؤسسات التمثيلية المهزوزة عند الرأي العام هي من صنعها:اكد الخطاب الملكي ان صورة مجلسي النواب عند الرأي العام ما زالت متدنية نتيجة سلوك وممارسات النخب البرلمانية التي لا تحترم لا دستور 2011 ولا توجيهات جلالة الملك ولا انتقادات المواطن والإعلاميين بل ان دائرة الصراع والمزايدات بين الاغلبية والمعارضة لم تعد محصورة في فضاء البرلمان بل امتدت الى الفضاءات العمومية والى وسائل الإعلام وهذا يمثل خطرا على الخيار الديمقراطي وعلى المؤسسات الحزبية ذاتها وعلى كل المشاريع الإصلاحية التي يعرفها مغرب العهد الجديد وعلى تزايد نفور المواطن من السياسة ومن الاحزاب ومن المؤسسات التي تفرزها الانتخابات وهو ما يؤثر سلبيا على قيم المواطنة.
-7- الرقي بالخطاب السياسي هو رقي بالسياسة:من الأشياء التي لم يفهمها بعد عدد من السياسيين والمسؤولين المغاربة انه يصعب الرقي بالسياسة دون الرقي بالخطاب السياسي بكون هذا الأخير هو صانع الفعل السياسي المحرك الأساسي للسياسة .فالخطاب السياسي ليس هو القذف والشتم وتوزيع الاتهامات بلغة ساقطة لغويا ودلاليا بل ان للخطاب السياسي ضوابطه وقوانينه وان الجهل بتلك الضوابط تجعل السياسة رديئة ولو كان الفاعل السياسي يملك كل السلط.فالسياسة في حاجة الى سلاح الخطاب لكون السياسة والخطاب السياسي وجهان لعملة واحدة وعليه فإصلاح السياسة بالمغرب يجب ان تنطلق من إصلاح الخطاب السياسي لكونه ليس مسالة شكلية او تمرينا لغويا بصيغ تعبيرية قدحية وخشبية بل انه جوهر الفعل السياسي .
-8- الخطاب الملكي بين ضبط الاختلالات وتقديم الحلول: يلاحظ المختص ان الخطاب الملكي لم يكتف بالتشخيص الموضوعي لعدم التزام الحكومة والبرلمان بتفعيل الفصل 86 من الدستور المتعلق بمجموعة من مشاريع القوانين التنظيمية الأساسية ومنها بالخصوص مشاريع القوانين المتعلقة بتفعيل الطابع الرسمي للغة الامازيغية، ومشروع القانون التنظيمي للإضراب اللذان سيكونان من أصعب المشاريع لحساسيتهما واختلاف الأحزاب والجمعيات والنقابات حولهما ووعيا من جلالة الملك باختلاف الرؤى حول هاته المشاريع طرح مبادئ التوافق البناء ومصلحة الوطن والابتعاد عن المزايدات السياسية منبها الحكومة ان الأساسي في هذه المشاريع ليس التصويت عليها ونشرها بالجريدة الرسمية فقط، بل تفعيل هذه التشريعات وتنصيب المؤسسات وتوفير الموارد البشرية المؤهلة.
باختصار وجه الخطاب الملكي عدة رسائل للحكومة وللبرلمان وللأحزاب مفادها ان ما لا يرى مغرب التحول ومغرب التغيير هو مجرد كائن ما زال سجين هويته الثابتة ومتشبتا بتصوراته المستهلكة حول الانتخابات والديمقراطية والتداول على السلطة والالتزام بالدستور، لقد أعطى الخطاب الملكي للحكومة وللأحزاب وللبرلمان فرصة وجودية لتغيير قواعد الفعل السياسي وأدوات التواصل السياسي ومعرفة التعاقد الانتخابي لإعادة تشكيل حكومة وأحزاب وبرلمان أكثر حرفية وأكثر مهنية وأكثر مسؤولية ومواطنة
بعد الخطاب الملكي يتأكد للعيان بان المغرب ما زال تفصله عن الديموقراطية مسافات ومسافات وان الأحزاب المغربية سواء تلك المنتشية بالفوز او تلك المستقوية بالنفوذ او تلك التي تتحرك بالأوامر او تلك الشاردة او تلك الفاسدة ما زالت لم تع بعد انها أمام خيارين اما التغير الجذري المرن او الاندثار البطيئ التدريجي، وعليه فعلى الأحزاب/ المؤسسات وليس أحزاب/ الأشخاص ان تفهم ان انتخابات 4 شتنبر- رغم اختلالتها - فانها مثلت حدثا سياسيا كبيرا يجب ان تتغير معه وضعيات ومواقف ومقاربات وممارسات وخطابات وسلوكات الحكومة والأحزاب وفرق الأغلبية والمعارضة لتشكيل مساحات جديدة للفكر والخطاب والفعل لتفهم أولا أبعاد الخطاب الملكي ولتلتزم بمضامينه ثانيا ولتقتنع بان الانتخابات ليست غاية في ذاتها بل هي البداية الحقيقية لمسار طويل ينطلق من إقامة المؤسسات و إضفاء الشرعية عليها كما جاء في الخطاب الملكي ثالثا ولتنزيل مضمون الفصل 11 من الدستور الذي نص على ان " الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي" رابعا. فكيف ستتعامل الحكومة والاحزاب والبرلمان مع مضامين الخطاب الملكي؟؟؟

* استاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية.اكدال الرباط.