بديل ـ عماد كزوط

في هذه الشهادة، التي خص بها عبد السلام الغازي، ابن محمد بن العياشي الغازي، المجاهد الذي شارك في حرب "البيبان" المماثلة لحرب "أنوال" ، ينفي الغازي أن يكون عبد الكريم انهزم في الحرب أمام القوات الاسبانية والفرنسية، كما ظلت تشيع معظم وسائل الإعلام المعادية لخطه الكفاحي، وخلافا لما رُوٍّج له دوما من لدن النخب السياسية، التي شاركت القصر التوقيع على معاهدة اكسليبان، حول وجود عداء مستمر بين الملك محمد الخامس وعبد الكريم، فإن الغازي، المقرب جدا من أسرة عبد الكريم والمطلع على جميع وثائق الأخير، يكشف عن حقيقتين مثيرتين، واحدة حين بعث الملك لعبد الكريم بحصان، لم يكتب له الوصول بعد أن صادرت القوات الفرنسية الهدية في الطريق، وواحدة حين شكر عبد الكريم محمد الخامس، مباشرة بعد ان وطئت قدماه القاهرة.
وفي هذه الشهادة، يفك الغازي لكم لغز عدم تحرير عبد الكريم لمليلية، بعد أن دخلها منتصرا خلال حرب أنوال، كما يطلكم عن عدد من الحقائق حول كيفية حصوله على السلاح، وعلاقته بالمخابرات الألمانية، وهل فعلا ان الأخيرة هي من أوحت له بوقف الحرب؟ وفي الشهادة أيضا حقائق لم تقرأوا أو تسمعوا بها أبدا عن الاستقلاليين والاتحاديين وجنرالات الجزائر وأشياء أخرى مثيرة وصادمة سننقلها إليكم على شكل سلسلة من الحلقات، مع فتح المجال لقراء الموقع الكرام بالتعليق على هذه الشهادات.

كان عبد الكريم الخطابي يريد إنقاذ الوطن من الفوضى والإحتلال ليجعل أمته تدرك مالها وما عليها من حقوق وواجبات، لذا قرر الانتقال إلى مليلية تحت غطاء التدريس، لا لشيء سوى لمعرفة نيات الإسبان الاستعمارية، إلى جانب مراقبة العملاء الذين يتعاملون مع الإسبان.
وفي هذه الظروف الممتدة من سنة 1904 إلى 1906، كان بوحمارة يتلقى من رُسل فرنسا وبريطانيا واسبانيا الأسلحة والأموال، ويبطش بالأحرار الوطنيين في الريف الشرقي. وفي الجانب الآخر من الريف الغربي كان الريسوني هو الآخر يتلقى امدادات مالية وأسلحة من الإسبان لينشر الفساد والقتل ويعلن نفسه سلطان للجبل، و في 9 يوليوز سنة 909 وقعت مجزرة رهيبة تكبد فيها الإسبان مقتل عشرين ألف عسكريا، وعلى رأسهم الجنرال بتوس على يد المجاهد الشيخ محمد امزيان.
هكذا تعاقبت الأحداث أمام أعين الخطابي بين شن المجاهدين الحروب ضد اسبانيا وما يحاكم ضد بلاده من قبل المستعمرين والعملاء، كل هذا جعل من قاضي القضاة يقرأ ألف حساب لصيرورة الأحداث المقبلة وما يجب عمله، مستفيدا بشكل كبير مما أبدته الأسرة الخطابية للحكومة الإسبانية برغبتها في التعامل معها على قدم المساواة، الشيء الذي جعل هذه الأخيرة ترقي ابن عبد الكريم في أرقى المناصب ظنا منها أنه الشخص الذي سيطبق ما تمليه الإدارة الإسبانية التي كان لها وحدها الحق في المصادقة والتطبيق.
وعلى هذا الأساس كانت أول خطوة تمثلت في عملية صفح ابن عبد الكريم على قاتل أبوه لدرئ الفتنة في اتجاه مواجهة الإسبان. اجتمعت الوفود بمكان يسمى القامة بـ"تمسمان"، فانتخبوا مجلسا وطنيا وقاموا بدراسة الحالة العامة للبلاد على الضوء الذي يمر به المغرب شماله وجنوبه، لتعلن الوفود من خلاله قيادة الأمير ابن عبد الكريم الخطابي كما أعلنت تكليفه برئاسة الجمهورية الدستورية، ووضع دستور للبلاد يكون مبدأه السلطة للشعب وهو بذلك يعد أول دستور للدولة الحديثة يتضمن 30 مادة.

يتبع...