يرى الخبراء الأمنيين أن هناك 3 أسئلة أساسية تؤطر مجال استخدام رجل الشرطة لأي سلطة أو صلاحية وهي:

هل استخدام القوة في حالة ما لها صلاحية في القانون؟، وهذا يسمي المشروعية،
وهل تعتبر ممارسة رجل الشرطة لصلاحيته لها ضرورة مطلقة في هذا الوضع؟، وهو ما يمثل مبدأ الضبط،
وهل تتناسب السلطة المستخدمة مع خطورة الجرم؟، وهذا ما يسمى التناسب.

هذه المبادئ الثلاث التي تحكم عمل رجل الشرطة ينبغي على هذا الأخير أخذها دائما بعين الاعتبار عند أدائه لمهامه كموظف مكلف بإنفاذ القوانين.

لقد تنبه المجتمع الدولي إلى أهمية دور الشرطة في حماية حقوق الإنسان وصونها والدفاع عنها وتوفير الضمانات الكفيلة برعايتها لأن الأمن الفردي للمواطن كما يقول الدكتور محمد الطراونة في أحد دراساته ذات الصلة بعلاقة الأمن وحقوق الإنسان هو جزء من الأمن الجماعي وهو صمام الأمان لدولة القانون والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

وفي هذا الإطار يعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 34/169 الصادر في 17 ديسمبر/كانون الأول 1979 المصدر والأساس لذلك من خلال إقراره مدونة قواعد وسلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين "الشرطة".

المدونة كما ذهب إلى ذلك الدكتور الطراونة ليست معاهدة أو اتفاقية بل هي صك من الصكوك التي تتضمن توجيهات للحكومات والهيئات في مسائل ذات علاقة بحقوق الإنسان والعدالة الجنائية حيث طرحت هذه المدونة مجموعة من المبادئ التي تحكم عمل الشرطة في مجال حقوق الإنسان يمكن إيجازها فيما يلي.

أولا: على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، في جميع الأوقات، تأدية الواجب الذي يلقيه القانون على عاتقهم، وذلك بخدمة المجتمع وبحماية جميع الأشخاص من الأعمال غير القانونية، على نحو يتفق مع علو درجة المسؤولية التي تتطلبها مهنتهم، ومن هنا يتوجب على الأجهزة الشرطية القيام بأعمالها سندا للقانون بحيث لا يجوز اعتقال شخص بدون سند قانوني وبناء على أمر قضائي مسبب ولا يجوز لها اعتقال أي شخص بدون إتاحة الفرصة له للاتصال بمحاميه على أن يكون مخالفة ذلك تحت طائلة البطلان والملاحقة في حال إذا خالفت الأجهزة الشرطية هذا المبدأ،

ثانيا: على الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين، أثناء قيامهم بواجباتهم،احترام الكرامة الإنسانية وصونها، والمحافظة على حقوق الإنسان لكل الأشخاص ورعايتها كون حقوق الإنسان المشار إليها محددة ومحمية بالقانون الوطني والدولي،
ثالثا: يحافظ الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين على سرية ما في حوزتهم من أمور ذات طبيعة سرية ما لم يقتض خلاف ذلك كل الاقتضاء أداء الواجب أو متطلبات العدالة.

رابعا: لا يجوز لأي موظف من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يقوم بأي عمل من أعمال التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أو أن يحرض عليه أو أن يتغاضى عنه، كما لا يجوز لأي من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يتذرع بأوامر عليا أو بظروف استثنائية كحالة الحرب، أو التهديد بالحرب، أو إحاقة الخطر بالأمن القومي، أو تقلقل الاستقرار السياسي الداخلي، أو أية حالة أخري من حالات الطوارئ العامة، لتبرير التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة...،

خامسا: يتوجب أن يوفر الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين الحماية التامة لصحة الأشخاص المحتجزين في عهدتهم، وعليهم، بوجه خاص، اتخاذ التدابير الفورية لتوفير العناية الطبية لهم كلما لزم ذلك،
سادسا: على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين الامتناع عن ارتكاب أي فعل من أفعال إفساد الذمة ومواجهة جميع هذه الأفعال ومكافحتها بكل صرامة،
سابعا: على الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين احترام القانون ومدونة السلوك وعليهم أيضا، قدر المستطاع، منع وقوع أي انتهاكات لهما ومواجهة هذه الانتهاكات بكل صرامة،

التذكير بهذه المبادئ المهمة المؤطرة لسلوك رجال الشرطة بين الفينة والأخرى أمر تستدعيه بعض الوقائع التي تفرض على كل الفاعلين " الدولة، المجتمع المدني، الأحزاب" ضرورة المساهمة الجماعية في تكريس الحكامة الأمنية على أرض الواقع وإخراجها من المجال النظري إلى المجال العملي وتحويلها من إشكال مجتمعي إلى انشغال يومي في كل أبعادها، ولاسيما، تلك المرتبطة منها بعلاقة الأمن بحقوق الإنسان.

في كل دول العالم مدونات السلوك الشرطية توضع من أجل أن تطبق وهذا الأمر يقتضي ما يلي:

1 تدريسها في كافة المعاهد الشرطية،
2 إجراء اختبارات لابد أن تجتاز في مضمونها،
3 الحرص على أن يقتنيها كل العاملين في الجهاز الأمني،
4 ينبغي أن تكون هناك رغبة حقيقية لدي القيمين على الشأن الأمني في البلاد في التطبيق العملي لنصوصها.

إشكالية العلاقة بين الأمن وحقوق الإنسان إشكالية بنيوية لا يمكن حلها إلا من خلال مقاربة تشاركية يكون فيها دور لكل الفاعلين " الأمني، السياسي، المدني" كل حسب موقعه.

لهذا يتعين في الحالة المغربية على وزارة الداخلية باعتبارها الوزارة الوصية على الشأن الأمني في البلاد أن تأخذ بزمام المبادرة من خلال مسؤوليها الأمنيين الكبار مثل عبد اللطيف الحموشي المدير العام للأمن الوطني، والدعوة إلى عقد لقاءات مع مؤسسات المجتمع المدني والبرلمانيين وممثلي الأحزاب السياسية قصد التحاور والتشاور حول تطوير البعد الحقوقي وتضمينه في نشاط ووظيفة واستراتيجيات عمل جهاز الشرطة الذي يعد من أهم الآليات الوطنية التي يتوجب عليها احترام حقوق الإنسان.

علاقة الأمن بحقوق الإنسان علاقة مهمة، وتبديد سوء الفهم الحاصل في هذا الإطار، هو المدخل الكفيل بتذويب جليد الخلاف بين الأجهزة الأمنية والمجتمع.

فعلى سبيل الاستئناس فقط، ما تم الكشف عنه في الحلقة الأخيرة من برنامج بصراحة الذي يعده الصحفي أذيب السليكي من طرف السيدتان اللتان تم اعتقالهما في انزكان بسبب لباسهما قبل أن يتقرر متابعتهما في حالة سراح تحت ضغط الإعلام والمنظمات الحقوقية، من ممارسات غير لائقة لرجال الشرطة استنادا لرواية المعنيتين بالأم،ر جزء بسيط فقط مما يقع للمواطنين في مخافر الشرطة أثناء الاعتقال في إطار الحراسة النظرية.

الصحفي أذيب السليكي توفق بمعية ضيوفه في طرح إشكالية صياغة محاضر الضابطة القضائية وسلوك رجال الأمن وتعاملهم مع المعتقلين في إطار الحراسة النظرية، وحلقته الأخيرة مع ضحيتي انزكان كانت قوية بشجاعة وجرأة المعنيتان بالأمر اللتان كشفتا عن كواليس ما وقع لهن داخل مخفر الشرطة أثناء اعتقالهما في إطار الحراسة النظرية من سوء معاملة وتصرفات غير لائقة لرجال الحموشي وصفها الإذاعي أذيب السليكي وهو في حالة غضب مشروع بالتحرش الجنسي الذي يستدعي تدخل وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بإنزكان قصد الاستماع "للضحيتين" وكذا المدير العام للأمن الوطني نفسه لفتح تحقيق نزيه حول ظروف الاعتقال في إطار الحراسة النظيرة وحول ظروف إعداد محضر الضابطة القضائية.

المدير العام للأمن الوطني عبد اللطيف الحموشي الذي يتمتع اليوم بصلاحيات أمنية كبرى ويجمع بين جهازين أمنيين كبيرين لم تعد إمكانية التنسيق بينهما بشكل فعال وناجع تطرح أي مشكل بات مطالبا بضمان احترام مدونة السلوك الشرطية دون أي تفريط في المبادئ الكبرى المحددة لواجبات الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين..

هناك إمكانية لتحويل مدونة السلوك الشرطية من باب الاجتهاد إلى لافتات صغرى ذات معاني كودية بألوان مختلفة توزع في كل أقسام الشرطة، حتى تشجع عناصر الشرطة على الالتزام بها، وتذكيرهم بفحواها باستمرار، من قبيل : "لا تضرب" و "تجنب العنف" و "احترم المواطن" " هناك قرينة البراءة" " احترام حقوق الإنسان التزام وطني ودولي".

ومن باب الاقتراحات أيضا يتعين على سبيل المثال لا الحصر الدفع في اتجاه تشكيل خلية مركزية لمتابعة تطبيق ضباط الشرطة لمدونة السلوك في مختلف قطاعات العمل خاصة ذات الصلة بالجمهور وخدمات المواطنين، وإعلان نتائج ما تتوصل إليه هذه الخلية بصورة منتظمة عن مدى الالتزام بها للرأي العام.

وجود مثل هذه الخلية في رأي الخبراء الأمنيين يكون مفيدا من حيث قدرتها على تلقي شكاوي عناصر الجهاز اتجاه بعضهم البعض، وقد يكون مفيداً أيضاً تشكيل هيئة مستقلة من مؤسسات المجتمع المدني، لتراقب أداء هذه الإدارة، ولتتلقى شكاوى المواطنين حول انتهاك رجال الشرطة للمدونة.

فكرة تركيز السلطة الأمنية في يد واحدة يمكن أن تكون إيجابية لو كانت الغاية منها هي ضمان فعالية ونجاعة الجهاز الأمني بعيدا عن فكرة التحكم والهيمنة والتطويع. ومن هذا المنطلق فتركيز سلطة القرار الأمني الداخلي في المغرب بيد عبد اللطيف الحموشي الذي يجمع بين جهازين أمنيين من طبيعة مختلفة " واحد سري والآخر علني" عامل مساعد لهذا الأخير كي يشرع في إصلاح أعطاب الأجهزة الأمنية التي يشرف عليها ولا سيما تلك التي لها علاقة أو احتكاك مباشر مع المواطنين في التظاهرات أو الاعتصامات أو المسيرات السلمية أو بشكل فردى من خلال مراجعة الأفراد لمراكز الشرطة كمشتكين أو مشتكى بهم أو شهود، لأن هذه المواجهة تفرض على الدولة وأجهزتها الشرطية احترام حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية.

احترام حقوق الإنسان يقع وفق ما ذهب إليه الدكتور الطراونة ضمن الأولويات، وهو الأمر الذي يستدعي في المرحلة الراهنة من الدول، من ضمنها المغرب بكل تأكيد، ضرورة اتخاذ التدابير الإدارية والتشريعية المناسبة التي تهدف إلى حماية حقوق الإنسان أثناء قيام الأجهزة الشرطية بأعمالها وذلك من خلال إيجاد نوع من الانسجام أو الإدماج ما بين المعايير الدولية الواردة في مدونة سلوك الموظفين بإنفاذ القوانين والتشريعات الوطنية من خلال إدماجها في التشريع أو الممارسة الوطنية وإذا تضمنت التشريعات أو الممارسات الوطنية أحكاما أشد من تلك الواردة في هذه المدونة يعمل بتلك الأحكام؛ و إيجاد نوع من البرامج التدريبية لتأهيل أفراد الشرطة في مجال حقوق الإنسان، وتطوير مناهج التدريس في معاهد الشرطة وتضمين البعد الحقوقي فيها، ومراعاة قواعد السلوك القانوني من طرف رجل الشرطة أثناء عمله مثل افتراض قرينة البراءة عند التحقيق مع الأشخاص ومراعاة قواعد المحاكمة العادلة ومراعاة الضمانات القانونية للأشخاص عند القبض عليهم أو تفتيشهم أو احتجازهم؛ و إنشاء مكتب للشكايات لدى دوائر الشرطة يتيح للمواطنين تقديم شكوى بحق أي فرد من أفراد الشرطة قام بتجاوز حدود القانون وأن يتم اطلاع الأفراد على مصير الشكوى وطبيعة الإجراء المتخذ بحق من يثبت عليه انتهاك حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية؛ إفهام رجال الشرطة أن العمل بموجب مدونة السلوك بشقيها الأخلاقي والقانوني هو التزام على عاتق الدولة تفرضه الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وأن الفرد (المواطن العادي) لم يعد يندرج ضمن صميم سلطانها الداخلي إنما أصبح في عالم اليوم أحد أشخاص القانون الدولي.