أحمد الخليشي

وقعت الواقعة في قلب مدينة الحسيمة، بل في قلب المركب التجاري ! استوقفت الشرطة سيارة صديق نقابي ، وراحت تقلب وثائقه :

إنها الحملة "التشرميل" في كل مكان ، حتى هدوء الحسيمة، وضعف نسبة الجريمة فيها لم يشفع لها ! تعامل دورية الشرطة وداخل السوق النموذجي الذي دشنه الملك مؤخرا، أثار غضبي الداخلي ،لكن حين طالبني الشرطي بدوري ببطاقة الهوية انتفضت الذاكرة بسيل من التعاليق والسخرية السوداء ، من الحملة طبعا.

تذكرت "اعماروش" الذي كان وحده يضبط إيقاع أمن الحسيمة، وبدون جيوش جرارة من الأجهزة المتعددة الأوصاف والآليات والاختصاصات ! تذكرت صديقي جمال الذي صرخ - ذات حملة- مماثلة في وجه "العبدلاوي"

بداية الثمانينيات من القرن الماضي قائلا :"احنا هوما احنا" وهي مقطع من أغنية ناس الغيوان طبعا.

منسوب الغضب كان على أهبة الإنفجار، جراء فيض الأمن "اللاوطني" الذي بات يحاصر مدينة الحسيمة ومحيطها ، من أيت بوعياش إلى ساحة محمد الخامس !

أجل فعلت دورية الشرطة خيرا ،حين أججت في نفسي قريحة "الفضفضة" عن هذا الموضوع الخطير.

طبعا أنا حذر مما يسمى بالإنتقال الديمقراطي، ولذك لا أحمل معي فقط بطاقة الهوية،ولو في قلب الحسيمة ! بل "أحمل نعشي وانا أمشي" على سنة الشاعر .

استلم البوليسي بطاقة الهوية ،تغاضى عن تعاليقي الساخرة ضد "الوقت" حين سمع الإفادة من المركز ! قال كلاما يشبه الإعتذار خاصة وأن دورية الأمن كانت في المركب التجاري،الذي حولته سياسة "التشرميل" الحقيقية ، إلى مستودع لسيارات ومتلاشيات الأمن "اللاوطني" ! ياحسرتاه على الحكامة والتدبير الجيد والأمن الفعلي للمواطنين ورواد المركب !

إنها الحملة : أشبه بقيام الساعة ! ولا حول ولا قوة إلا بالسيوف والسواطير العابرة لتخوم قندهار واليمن ! ألسنا في الهزيع الأخير ل"الربيعي العربي"، الذي دوخ الأمير هشام ذاته، فما بالك بأرانب قلب المخزن .

واقعة دورية الأمن تلك واحدة من آلاف الوقائع المماثلة حدثت هنا بالمغرب وفي مختلف ربوع إقليم الحسيمة ، وهي نموذج من إفرازات الحملة المثيرة للتقزز والشفقة : "التشرميل" !

حملة وطنية: ظاهرها البحث عن السيوف والسواطير وذوات الوشم ... وباطنها عودة "السطوة الأمنية"، بعد "الفاصل الموسيقي" الذي خصصته الدولة لشبيبة عشرين فبراير، وعلى نغمات "الربيع العربي" الفاقع لونه، خاصة هنا بالريف الكبير !

ومن حسنات الحملة ، انها ذكرتني - على سبيل المقارنة - بزيارة قمت بها إلى هولاندا ، بعد زلزال الحسيمة ، حيث استضافني جمال ذاته ، ورافقني خلال الرحلات االمكوكية، داخل الأراضي المنخفضة ، وكذا من وإلى بيلجيكا ،ولم تنعم عيوني ولو برؤية "باراج" واحد ! في حين تضم المسافة الفاصلة بين أيت بوعياش ومدينة الحسيمة (خمسة وعشرون كيلومترا) ، عشرات مراكز المراقبة ، وعلى مدار الساعة ، وكأن عاصمة الخطابي قد تحولت إلى زنتان ليبيا أو قلمون سوريا ، أو فلوجة العراق، واعجباه !

وزير الداخلية الذي "شرف " الحسيمة بالأمس ، في إطار توضيح نفس المعزوفة "التشرميل" ، حفز ذاكرتي على استدعاء سلفه ، المرحوم وزير الداخلية الساهل،والذي كشف لي في دردشة على هامش نقاش البرنامج الحكومي بالرباط ، بعد زلزال 2004 ، عما يلي : ( مداخلتك سواء بالحسيمة أو هنا بالرباط رائعة ، لكن اسمح لي : لماذا تستهل مداخلاتك دائما بضرورة المصالحة مع الريف ؟ ألم يقم سيدنا بمصالحة الريف ؟) فكان جوابي ولازلت على نفس القناعة : ( أنتم تصالحتم مع بعض الأشخاص بالريف ، وأشرت إلى "النموذج" ، فابتسم الوزير ، وابتسم "النموذج" بدوره، وابتسمنا أجمعـــــــــــين ...

وتواصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلت الحــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــملات ... !