منذ أسابيع و الرأي العام المغربي يعيش على إيقاع الاعتصامات و الخرجات الإعلامية لفئة "الأساتذة المتدربين" الرافضين لمرسومي الفصل بين التكوين و التوظيف من جهة و تخفيض المنحة من جهة أخرى. كنت من المتضامنين مع هؤلاء الشباب باعتباري أنتمي إلى جيل يقدر رجال التعليم لدرجة التبجيل (حتى إنني كنت على وشك أن أصير أستاذا في بداية التسعينيات من القرن الماضي) ! و بين التصريحات و التصريحات المضادة ( بين الحكومة و تنسيقية الأساتذة المتدربين) نشطت الشبكات الاجتماعية بشكل لافت، و "انساق" جل المتتبعين وراء العاطفة تضامنا مع الشباب باعتبارهم "حاملين لرسالة تربوية" في المستقبل و ليس إيمانا بقضيتهم بل نكاية بالحكومة و رئيسها !


مظاهر التعبير و تجلياته من الجانبين (الحكومة و التنسيقية) بلغت أوجها (العنف مقابل الاحتجاج و الرفض و الحضور الميداني) في نوع من السباق نحو امتلاك الفضاء العمومي (ماديا و لاماديا ) و ظل كل طرف متمسكا برأيه في تجاوز صارخ للمصلحة العامة حيث لا مكان لمنطق أو معادلة "رابح- رابح" (win win) في عقلية الطرفين ! طبعا لم نتفاجأ من موقف "الحكومة" (و هي الجهاز التنفيذي لدولة ذات إيديولوجية "يعقوبية" موروثة من فرنسا لم تستطع التخلص من ثقل المركز و ذات جوهر مخزني موروث من القرون الوسطى تتحكم فيها المقاربة الأمنية من حيث معالجة الملفات الاجتماعية )، لكن ما فاجأ الرأي العام هو استماتة "الأساتذة المتدربين" في التصدي للحكومة و قراراتها ! و هو أمر يطرح أكثر من علامة استفهام خصوصا و أن المرسومين لا يشملان بالتأكيد هذا الفوج عملا بالقاعدة القانونية التي تنص على "عدم رجعية القانون" بفعل نشره في الجريدة الرسمية في وقت لاحق لقبول "الأساتذة المتدربين" في مراكز التكوين بعد اجتيازهم للمباراة بنجاح، و أن مضامين المرسومين تتناقض مع مقتضيات المرسوم المنظم للمراكز الجهوية لمهن التربية و التكوين ( الرابط: http://www.men.gov.ma/sites/AdministrationCentrale/DAJC/DocLib1/Rep_CRMEF/D_2.11.672.pdf)
إن مسألة النزول للشارع و التعبئة المجتمعية التي رافقتها و إصرار الحكومة على موقفها و تدخل أجهزتها الأمنية بعنف (و هو أمر مرفوض طبعا)، تتجاوز - في رأيي – مسألة المرسومين و لا أرى فيها – شخصيا - إشكالا قانونيا يستدعي كل هذا الحراك, لأن المنطق السليم يقول أن على "الأساتذة المتدربين" استكمال تكوينهم و تداريبهم الميدانية في المؤسسات التعليمية ( و هو تكوين بالتناوب لا مجال فيه للعطالة و التأخير)، لكن "الأساتذة المتدربين" ( و هم حاملون لهذه الصفة بقوة القانون و لا ينازعهم فيها أحد) ارتأوا تعطيل و تعليق مسيرهم التكويني لأجل غير مسمى حتى يتم إلغاء المرسومين، و بالتالي فهم يخاطرون بقضاء سنة بيضاء لن يتوفروا في نهايتها على أي أهلية للممارسة ! علما أن الدولة وفرت على الأقل 7 آلاف منصب مالي لسد الخصاص.
إذن لم كل هذا الإصرار و من أجل ماذا؟ بسبب نصيين تنظيميين ( لا يشملهم بالتأكيد) و قابلين – في كل الأحوال - للتعديل و البطلان، و الحكمة – في رأيي دائما – تقتضي إنهاء التكوين و بعدها اللجوء – إن اقتضى الحال - إلى أشكال التعبير (التي تمارس حاليا بشكل منظم للغاية ) و ربما اللجوء إلى القضاء لإبطال مفعول المرسوم القاضي بفصل التكوين عن التوظيف (على الأقل)، عوض اللجوء إلى "حصان طروادة" للولوج إلى الوظيفة العمومية و لجوء الدولة إلى "الطابور الخامس" لاختراق "التنسيقية"، في "لعبة" لا يمكن التكهن بنهايتها مادامت الغايات الحقيقية غير واضحة إلى حد الآن. لكن الأكيد أنها ستفرز خاسرين فقط بما فيهم أبناء مجتمعنا المحتاجين للتعليم العمومي و التأطير التربوي، و هو شيء – للأسف- ليس في أجندة طرفي النزاع !