قرأت يوما تدوينةْ مشاكسة، كصاحبتها، الكاتبة والناشطة الامازيغية مليكة مزان، تحكي كيف فشلت مراراً في اقناع والدتهاَ، بالعدول عن فكرة زيارة مسجد الله الحرام، وبالمقابل ذلك، ضمان حجز لاسبوعينْ في ارقى فنادق تركيا أو باريس أو غيرها من الاماكن، التي يشاع عنها، كونها تستحق زيارة واحدة في حياة المرء منا، استحضار هذه التدوينة بالذات في عز ازمة اسمها فاجعة "منى"، يدفعنا بالضرورة لاحترام وجهات نظر الاخرين مهما كانت خلفياتها، اذ بات من غير المعقول مطلقاً، ان يكلف المرء منا، نفسه عناء ادخار آلاف أوروهات، من اجل حجز بطاقة الحج لوالديهْ أو حتى لنفسهِ، بطاقة وداعْ بدون ايابْ.

الفاجعة، التي ازدادت مرارةً، ولم تتوقف حد مرارتها، عند المشاهد، التي تناقلتها العديد من المنابر الاعلامية الدولية، بل تجاوزتْ ذلك، وصولا الى أزمة مغربية داخليةْ، عرت حقيقةْ السلطة التنفيدية (الحكومة) من جهةْ، وأبرزت الدور المحوري لسلطة القصر أو المخزن، في مشهد ينطبق تماما، مع مقولة السلطة توجد في أي مكان، فإن المخزن بدوره يوجد في اي مكان، في الاماكن المقدسة منها، والاماكنْ التي هي غير ذلكْ، مخزن يحكمْ قبضتهُ على دواليبْ حياةْ مواطنيهْْ، ويتعدى ذلك الى موتهمْ، كما هو الحالْ، مع شهداءْ فاجعة "منى"، حيث تتضارب الاعلانات الرسميةْ، مع ما ورد في بعض كبريات القنوات العربيةْ، وحتى بدورها قناة "العربية" الناطق الرسمي باسمْ "العربية السعودية"، اكدت في احد تغطيات عن سقوط ما لا يقل عن 87 ضحية مغربي الجنسية، غير ان المخزن المغربي، اعلن وبصعوبة فائقة عن وفاة ثلاث حجاج مغاربة، اما السيد رئيس الحكومة المنتخب، الذي يشرف وزيره في الماليةْ على رئاسة بعثة الحج المغربية لهذه السنةْ، لم نسمع لهُ خبراً، وهو الذي اعتلى منصات الخطاب، خلال الانتخابات الاخيرة، موجها مدفعيته الكلامية نحو خصومية السياسيين، ابتلع اليومْ لسانهُ، وعمل بمقولة كم حاجة قديناها بتركها للمخزنْ.

ان يتنازل رئيس الحكومة، عن صلاحياته الدستوريةْ، بشكلٍ جعل المخزن نفسه، يقف مشدوهاً امام سخاء الاسلاميين المغاربةْ، هذه التنازلات، التي تضرب في عمق مصداقية التعاقد الاجتماعي، الذي صوتت عليه شرائح واسعة من المغاربة، خلال فاتح يوليوز، لم يكنْ الغرض من ذلك، تمرير المرحلة بأقل الخسائر الممكنةْ، وانما بداية الطريق نحو بناء صرح ديمقراطي مغربيِ، يرقى بمواطني المغرب وبلادهم نحو مصاف الدول المتقدمةْ، غير ان واقع الحال، الذي تظهر معالمه تدريجياً، يتجه بنا نحو طريق تتوازي وبناء دولة مدنية بكل ما تحمل كلمة الدولة من معاني انسانيةْ.

فاجعة منى وغيرها، من الفجائع، جعلتناَ ندرك قيمة الانسان في الوطن العربي والاسلامي، ان يتحول الحجْ من شعيرةْ دينيةْ، الى "برستيج" ديني، يكرس نظرية الصراع الطبقي بين معتنقي الدين الواحدْ، أي ان ممارسة الدين الاسلاميِ وعقيدتهِ، وخاصة في شقه المتعلق بالحجْ، اضحى يتخد منحى موازيا لتطور نظرية الاقتصاد الرأسمالي بوجهه البشع أي الليبرالية المتوحشة، وان الله في نهاية متاحْ لمن يدفعْ اكثرْ، وهنا يفقد الدين مناسكهُ الحقيقيةْ وجوهره الحقيقيِ، ويتحول الى السلعةْ، تحتكرهاَ البروجوازية العربية والاسلامية لنفسها بامتيازاتْ اكثر ارياحيةْ.

وعودة لمقولة القدافي، ولو من سبيل خدوا الحكمة من أفواه السفهاء، كان صادقا حينما دعا الى توزيع عادل لمداخيل الحج بين الدول الاسلاميةْ، اي ان المسجد حرام المقدس المشتركْ، لم يكن يوماً حكراً على عائلات دون غيرهاَ، وامام هول الفاجعة الاخيرةْ، لابد، ان تتجه الدول العربية والاسلامية نحو مشاركة ومساهمة حقيقية في انجاح موسم الحج، باعتباره اكبر تجمع بشري سنوي لمسلمي العام، واذ كان نكون امام تحدي انجاح الرهان بكل ثمن، كما نكون امام تحمل مسؤوليات فجائعه وكوارثه بشكل متساوي، كما لا أستبعدْ عزوف مواطني الدول الاسلامية والعربية، عن أداء هذه الفريضة الاسلامية، بشكل، يعبر ضمنيا عن رفض العديد من الممارسات في تعامل السلطات القائمة الادارة شؤون الحج بالمملكة العربية السعودية.

*كاتب صحافي ناشط سياسي