أحمد دابا

أثار الخطاب الملكي بمناسبة مرور 15 سنة على جلوس محمد السادس على العرش اهتماما خاصا لما تضمنه من مواقف وتقييمات لمغرب اليوم، إذ لم يكن تناول موضوع الثروة ومجالات توزيعها هو فقط الموضوع الرئيسي وإن حضت بالاهتمام البارز، وذلك في سياق استمرار احتلال المغرب لرتب متدنية في سلم التنمية آخرها الرتبة 129، وفي سياق استمرار مظاهر الفقر والهشاشة وغياب العدالة المجالية وتدني مستويات الخدمات من صحة وتعليم وسكن وشغل...، وفي سياق ارتفاع معدلات البطالة واتساع الفوارق الاجتماعية بشكل مستفز ومهدد لما ظل المغرب الرسمي يتغنى به " الاستقرار "، هذا دون الحديث عن تدني وضعف الدخل الفردي المغربي مقارنة ببلدان شبيهة للمغرب، ودون الحديث عن معدلات صارخة في مجال الأمية بكل مظاهرها المقلقة، بل إن جوانب أخرى في هذا الخطاب لا تقل أهمية ومكانة ستحكم ولفترات مديدة المغرب سياسيا وتدبيرا وستحكم المشهد السياسي المغربي .

خطاب العرش لهذه السنة اعتبره الملك وقفة تأمل ومسألة للذات أساسا في جانب مدى التأثير الذي تحدثه الأوراش والمنجزات المحققة على الحياة المعيشية للمواطنين لمغرب ظل ومنذ استقلاله موزعا بين مؤسسات حديثة تخضع على الأقل من الناحية النظرية لسلطة الانتخاب، وبين أشكال وأساليب حكم تنتمي لسلطة ومشروعية وشرعية غير خاضعة لهذا المنطق المؤسساتي الحديث، وهي بالمناسبة الأكثر انتشارا وصلاحيات و تنتمي للتاريخ أو للدين ولا تخضع نهائيا لسلطة الانتخاب ولا لمحددات ربط المسؤولية بالمحاسبة ، أي أن المغرب بكل مجالاته لا يمكن تقييم مساراته السياسية والتنموية في المجمل العام بمنطق المحاسبة وربط المسؤولية بها .
"أين هي هذه الثروة، وهل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همت فقط بعض الفئات " هذا السؤال المحوري الذي طرحه ملك البلاد وكلف في جانب منه نزار بركة وعبد اللطيف الجواهري بالإجابة عنه وتقديم مقترحات بشأنه يفضي عمليا وواقعيا لأن يصبح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يحتل موقعا
مركزيا في التفكير ووضع الخطط بل ورسم السياسات العامة للبلاد، تماما كما عشنا ذلك مع مجلس المرحوم مزيان بلفقيه حين كلف بوضع إستراتيجية تأهيل التعليم والمدرسة العمومية بعيدا عن المؤسسات التي من الناحية النظرية منتخبة وستخضع للمراقبة والمحاسبة وجميعنا نعرف وجميعنا يتذكر التقييمات التي قدمت لعمل هدا المجلس بما فيها تقييم الملك نفسه، التساؤل عن مجالات الثروة في المغرب ودرجات الاستفادة منها سؤال يحيل على
سياسات عمومية عمرت وامتدت في المغرب لعقود وانتصر فيها دائما الحل التكنقراطي وهمشت فيه السياسة ومختلف المؤسسات المنبثقة عنها وانتصر فيها خيار الملكية التنفيذية حيث الملك يسود ويحكم، والتي تبرز نتائجها اليوم في هدا الترتيب الدي يتمتع به اليوم المغرب في مجال التنمية ، وفي ما أثاره الملك نفسه بارتباط بالسؤال / الإشكال أين الثروة ؟

قبل 2011 انتصر وبقوة وبجرأة غير معهودة خطاب داخل رجالات الدولة "الحاسمين " يقول إن المغرب استكمل حلقات الإصلاحات السياسية والدستورية وأن المجال الذي يفرض نفسه هو مجال الاقتصاد والحلول الاجتماعية وجرى وابتداء من 2002 تقوية التكنقراط في مجالات التدبير الاقتصادي والسياسي
وفي الملفات الإستراتيجية والحيوية، بل وجرى استيراد الخطاب للنموذج الذي كان يستهوي هؤلاء ممثلا في نظام بنعلي غير المأسوف على سقوطه، 2011 أسقطت هذا الخيار وجعلت أصحابه يختفون على الأنظار، لكن يظهر اليوم أن اختفاءهم كان مؤقتا وبحسابات تقنية لموازين القوى .

سنعيش ولشهور حملة إعلام وتنظيرات نخب احترفت النفاق وتزوير الحقائق، حيث سيتحول موضوع التقييم ومسألة نموذج التنمية في المغرب لبحث مضني وشاق لوضع مقاييس ومعايير في ترتيب سلم التنمية غيرها التي تستند لها المؤسسات الدولية ذات الصلة ، والتي ستتحول بالنسبة لهؤلاء لمقاييس ظالمة وغير منصفة للمغرب ولمجهوداته العملاقة والاستثنائية .

ستتحلل عمليا وواقعيا الحكومة من أية مسؤولية وستكون ملزمة أن تنتظر التوجيهات والمقترحات السديدة لمجلس الملك ولوالي بنك المغرب ... ، وسنعود وبقوة الواقع وبقوة أكثر لخيار الملكية التنفيذية حيث الملك هو المخطط والمنفذ والموجه ..

لن يطالب البرلمان وعبر الآليات التي يتوفر عليها بالبحث والتقصي في ميزانيات المشاريع الكبرى ولا في مردوديتها وما إدا كانت هي أولويات المغرب، أم هناك أولويات أخرى وأكثر مردودية واستجابة لانتظارات المغاربة، سينتظر البرلمان ومعه الحكومة الدراسة والتوجيه والمقترحات من بركة وعبد اللطيف الجواهري والذي سيقولون ما سيملى عليهم قوله أو ما سيسمح لهم بقوله بقوة الواقع .

ستأتي الانتخابات في 2015 وستكون كسابقاتها وأكثر، انتخابات بدون مشاركة المغاربة أو بمشاركة هزيلة وربما غير مسبوقة ، وسيكون كما السابق كل دعوات المشاركة المكثفة والقوية دعوات بلا منطق ولا مصداقية ، مادامت انتخابات بدون رهانات سياسية حقيقية طالما أن الجوهري والحاسم في السياسات الكبرى في المغرب تجري خارج صناديق الاقتراع .