عن أي حزم عربي يمكننا أن نتحدث عنه، ممن يعتبره البعض جيدا ؟ ، هذا ما يصطلح عليه ب "ذر الرماد في العيون "، لا حزم ولا هم يحزنون ، الأنظمة العربية تدافع عن ما تبقى من وجودها ومصالحها ، حتى لا تسقط تباعا ، كم طلعت علينا هاته الأنظمة ببياناتها وقراراتها في مؤتمراتها ولا شيء يذكر من ورائها، طيلة عقود خلت، ولا طائل من مدادها ، لا يمكن للحزم العربي أن يكون له وجود فعلي إلا أن تكون الشعوب العربية هي الماسكة بزمام الأمور في كل مجالات حياتها ، ومن ثمة يمكننا أن نتحدث عن الحزم المطلوب الحقيقي والفعلي على أرضية الواقع .
"عاصفة الحزم " العربي أتت في لحظة تبعثر جغرافية الحقل السياسي على امتداد جغرافية العالم العربي، في سياق انهيار أنظمة بذاتها وتهاوي أركان مفهوم السلطة السياسية الرسمية في بعض من البلدان العربية ، وغيرها من المعطيات التي تنذر بما هو أسوأ على طول المستقبليات العربية، بذرائع سياسية وأيديولوجية غير وازنة لاعتبارها من قبيل الحسابات السياسية الرسمية الضيقة، هذه الأخيرة لا يهمها حرية الشعوب وتطلعاتها وأمالها في تحقيق الانعتاق من براثن التخلف وعهود الاستبداد والقهر، على اعتبار أن أي قرار سياسي له دوافعه وخلفياته ومرجعياته الخاصة، ويحتكم إلى تفاعلات المرحلة التاريخية، ففي أية خانة أمكننا وضع القرار السياسي العربي بصدد " عاصفة الحزم " باليمن، بقيادة المملكة العربية السعودية ، وخاصة أنه اتخذ قبل انعقاد قمة شرم الشيخ العربية ؟ .
فقد أعلن بيان القمة العربية المنعقدة يومي 28 و 29 مارس في الدورة السادسة والعشرين لمجلس جامعة الدول العربية عن " بحث التحديات التي تواجه أمننا القومي العربي وتشخيص أسبابها، والوقوف على الإجراءات والتدابير اللازمة لمجابهتها بما يحفظ وحدة التراب العربي ويصون مقدراته وكيان الدولة والعيش المشترك بين مكوناته في مواجهة عدد من التهديدات النوعية، وهو الأمر الذي يتطلب تضافر جهودنا واستنفار إمكانياتنا على شتى الأصعدة ، السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية " . طبعا بقراءة هذه القصاصة العربية الرسمية، يتخيل إلينا أننا أمام وحدة عربية قائمة الذات تستحضر كل المخاطر المحدقة بالعالم العربي ، دولا وشعوبا، في مواجهتها بعزم وصرامة من قبل القادة العرب والأنظمة معا، وهو ما ينفيه الواقع العربي جملة وتفصيلا، فنعثر على مفارقات غريبة بين الخطاب العربي الرسمي وبين واقع الحال بمعطياته العديدة، فالأنظمة منشغلة بترتيب بيوتها الداخلية من جراء زلازل الحراك الجماهيري العربي وتحديات المرحلة القائمة وخاصة ظهور التيارات المتشددة والمتطرفة المنفلتة ، فتبحث عن أساليب جديدة في ممارسات الحكم بقواعد غير التي كانت سائدة، لضمان استمراريتها، وإيهام الشعوب بإصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية، محاولة منها امتصاص الغضب الجماهيري واحتواء نزوعات التطرف بما أمكن من الوسائل والإجراءات، في حين أن الواقع العربي الجماهيري يعيش مرحلة التفكك وفقدان البوصلة في علاقاته بما يريد ، في غياب نخبة سياسية طليعية قادرة على حمل مشعل المواجهة الصريحة والمعلنة، لذا يتضح أن أي قرار عربي رسمي لا يمثل إلا نفسه بحسابات سياسية وأيديولوجية خاصة، بغطاء مظلة الجامعة العربية ، بدعوى تهديد الأمن القومي العربي في كل مجالاته . لنطرح السؤال التالي، متى كان الأمن القومي العربي سالما في عهوده السابقة وغير مهدد حتى هذه اللحظة لتنبري الأنظمة العربية باتخاذ قرار " عاصفة الحزم " باليمن ؟ .
إن قرار " عاصفة الحزم " العربي قرار يوهم الشعوب العربية بأن الأنظمة السياسية العربية أخذه في التصدي لما يحدق بها من تهديدات ومخاطر في كل جوانب حياتها، الأمنية ، السياسية،الثقافية، الاقتصادية، الدينية، العسكرية، والاجتماعية، وبأنها تحقق إرادتها في كل جداول أعمالها، بتدابير عديدة، لحفظ وصون كرامتها وتحقيق أمالها في التنمية وتعهدها بهذا أيما تعهد ، كما جاء بينان القمة السابق " نجدد تعهدنا بالعمل على تحقيق إرادة الشعوب العربية في العيش الكريم والمضي قدما في مسيرة التطوير والتنوير ، وترسيخ حقوق المواطنة وصون الحريات الأساسية والكرامة الإنسانية وحقوق المرأة وتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية وجودة التعليم ، وندرك أهمية تلك الأهداف كأدوات رئيسية وفاعلة تصون منظومة الأمن القومي العربي ، وتعزز انتماء الإنسان العربي وفخره بهويته. " .
كل الخطابات العربية الرسمية تتعهد بالتضامن الفعلي قولا وعملا، سواء فيما بين الأنظمة أو مجموعة كتل أو من خلال قمم وبيانات الجامعة العربية، إلا أننا نبقى أمام خطابات شفهية ولا تتعدى ميكروفونات الصالونات والقاعات الخاصة باللقاءات الرسمية المزركشة بأنواع الورود وغيرها من الصور الجمالية البروتوكولية، فقد عانى الوجود العربي وخاصة منه الجماهيري من ويلات الأزمات السياسية المتتالية، خاصة في صراعه مع الكيان الصهيوني، وأزمات إقليمية من المحيط إلى الخليج، حيث بقي الحزم العربي في رفوف المكاتب الرسمية للأنظمة السياسية يصارع الطواحين الهوائية من دون فعل على أرض الواقع، وهو ما عمق من الأزمة البنيوية التي تعيشها الشعوب برمتها .
بالرغم من التخريجات والتنميطات السياسية للقرار العربي الرسمي ، خاصة في هذه المرحلة التاريخية العصيبة، وتغليفها بتبريرات واهية، فإن "عاصفة الحزم " تفتقد إلى الحزم والعزم الحقيقيين المرادين اتخاذهما في كثير من المواقف التي تهدد الأمن القومي العربي وتقوض مرتكزا ته وأركانه، لا أن تتخذ القرارات بحسب الأهواء والتصورات الضيقة التي لا تغني التجربة السياسية الرسمية في شيء، فقط تعميق هوة التخلف البنيوي والانجرار وراء ما يملى من الأطراف الخارجية، مع الحفاظ على مصالح الحكام واستمرارية الأنظمة السياسية على ما هو عليه .