خالد أوباعمر

سارعت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون المغربية إلى التنديد بالهجوم الإرهابي الذي تعرضت له جريدة "شارلي إيبدو" الفرنسية صباح يوم الأربعاء 7 يناير من قبل مسلحين ما أسفر عن قتل حوالي 12 فردا من طاقم الجريدة وجرح ما لا يقل عن عشرة أشخاص.
وفي أعقاب هذه العملية الإرهابية الجبانة، التي استأثرت باهتمام كل عواصم العالم، أعلنت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون المغربية في بلاغ صحفي، أن وزير الشؤون الخارجية والتعاون، صلاح الدين مزوار، سيمثل المغرب في مسيرة يوم الأحد 11 يناير في العاصمة الفرنسية باريس".
مشاركة وزير الخارجية المغربي، صلاح الدين مزوار، في المسيرة تم تقييدها بشرط جوهري عبر عنه بلاغ الخارجية المغربية بكل وضوح من خلال هذه الفقرة التي جاء فيها: “لا يمكن أن يشارك - المسؤولون المغاربة - في هذه المسيرة، في حال رفع رسوم كاريكاتورية مسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام”
تقييد المشاركة المغربية في مسيرة باريس ضد الإرهاب بهذا الشرط، يعني أن المملكة المغربية، أمسكت من خلال قناتها الدبلوماسية الرسمية، ممثلة في وزارة الخارجية المغربية، العصا من الوسط. فهي تدين الإرهاب الغاشم الذي تعرضت له فرنسا وتعلن قرار مشاركتها في المسيرة التي ستشهدها باريس يوم غد، وفي الوقت نفسه، تلوح بعدم المشاركة فيها في حال ما إذا تم رفع رسوم مسيئة للرسول الأكرم.
مشروطية المشاركة المغربية في مسيرة يوم غد ضد الإرهاب في باريس، مشروطية دبلوماسية مشروعة وحكيمة. كما أنها تنم عن عقلانية دبلوماسية غير مسبوقة في التعاطي مع حدث إرهابي جبان، قابل للتوظيف السياسوي من قبل أطراف فرنسية معادية للإسلام والمسلمين وللجاليات الأجنبية بشكل عام.
من الناحية الدبلوماسية لا يمكن إرضاء الدولة الفرنسية من خلال تضامننا المبدئي معها ضد الإرهاب الذي نال من أمنها وأمن مواطنيها الآمنين عبر غض النظر عن الإساءة للرسول الأكرم من طرف أطراف سياسية أو فكرية أو إديلوجية عنصرية لا زالت محكومة بفكر الكراهية ولا زالت تنظر إلى الإسلام والمسلمين كمصدر لكل الشرور والمخاطر التي تتربص بأمن "عالمهم الحر" الذي يعيش في نعيم الديمقراطية وحقوق الإنسان !!!.
في فرنسا، التي تنعت بدولة الحق والقانون والعدل والمساواة والحرية والإخاء، لا يمكن لصحافتها التي اختارت تشويه صور الأديان وازدراء الرموز الدينية خطا تحريريا ، بذريعة حرية الصحافة والنشر والحق المطلق في حرية الرأي والتعبير، أن تعادي السامية، لأن هذه الصحافة تدرك أن هناك قانونا فرنسيا يجرم هذا الفعل ويعاقب مرتكبيه بصرامة.
فرنسا التي تعتبر "الهلوكوست" خطا أحمرا، وهذا من حقها، حتى لا يتم تأويل كلامنا بطريقة مغرضة، هي نفسها التي لا ترفض التصويت لصالح قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن تشويه صورة الأديان وازدراء رموزها الدينية " صدر عن الجمعية العامة أكثر من ستة قرارات مند سنة 2006" وحتى المنظمات الحقوقية الدولية، مثل منظمة المادة 19، التي ترافع ضد قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بمبرر أن قرارات هذه الأخيرة، تضيق من نطاق حرية الرأي والتعبير المشار إليها في الفصل 19 من العهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية، منظمات تناقض نفسها في العمق عندما لا تعير أي اهتمام للقيود الواردة في هذه المادة التي أثير حولها الكثير من الجدل الحقوقي، كما أنها تقفز بنية مقصودة على عدد من المقتضيات الواردة في عدة مواد في هذا العهد، تطرقت إلى حرية المعتقد الديني مثل المادتين 18 و20.
الحديث عن الحق في حرية الرأي والتعبير بدون قيود وعن حرية الصحافة بدون خطوط حمر فرية كبرى يتشبث بها المغرضون لتبرير تشويه صورة الأديان وازدراء الرموز الدينية ونفت سموم الكراهية والعنصرية والتحريض الديني ضد الإسلام والمسلمين ومحاولة إلصاق تهمة الإرهاب بهم رغم أن الجميع يدرك أن الإرهاب لا دين له وبأن الأوكار التي ترعاه وتوفر البيئة الحاضنة له في إطار استراتيجيات كبرى، معروفة ومعلومة مند الصراع الأمريكي السوفياتي على الأرض الأفغانية.
كيف كان سيكون شعور المسيحيين أو اليهود لو أن صحيفة عربية مثل القدس العربي أو الشرق الأوسط أو السفير قامت بنشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للنبي عيسى أو النبي موسى عليهما السلام؟ هل كان المسيحيون واليهود سيقبلون بالإساءة لأنبياء الله كما أسيئ للرسول الأكرم في فرنسا والدنمارك وهولندا؟
هل كانوا سينظرون للأمر على أنه حرية رأي وتعبير أم تشويه مقصود للأديان وازدراء للرموز الدينية؟ هل كانت فرنسا وألمانيا وغيرهما من الدول ستقف سدا منيعا ضد قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي توصي بتوفير الحماية اللازمة لصورة الأديان ورموزها الدينية من التشويه والازدراء؟
طرح مثل هذه الأسئلة ليس القصد منه تبرير العمل الإرهابي الجبان الذي استهدف صحفيي "شارلي ايبدو" وغيرهم من المواطنين الفرنسيين باسم الانتقام للرسول الكريم ورد الاعتبار للدين الإسلامي...
ما وقع في باريس سلوك إرهابي مدان مهما كانت أسبابه ومهما كانت الجهة التي تقف وراء القتلة المجرمين الذين نفذوا الجريمة وصادروا حق الإنسان في الحياة وروعوا الدولة الفرنسية وبثوا الرعب في نفوس المواطنين الفرنسيين الآمنين..
لكن، عندما تقع جريمة إرهابية بهذا الحجم، على الجميع أن يكون حكيما في التعامل مع مصابها الجلل، عوض صب الزيت على النار، وتوظيف مأساوية هذا الحدث للنيل من وحدة المجتمع الفرنسي، ونفت سموم التفرقة فيه، من خلال خطابات تحريضية تربط بطريقة مغرضة بين الإرهاب و الإسلام، وكأن الضحايا الذين سقطوا في باريس لا وجود للمسلمين بينهم !!!!.
قبل هذه الأحداث المؤلمة عاش العالم أجواء رعب عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي استهدف فيها الإرهاب الأعمى برجي التجارة العالمي في نيويورك مما أودى بحياة آلاف من الضحايا الأبرياء.
كيف تعاملت الإدارة الأمريكية مع هذه الأحداث؟ هل كان الرئيس الأمريكي "جورج دبليو بوش" محقا عندما قسم العالم إلى محور الشر ومحور الخير؟ هل كان حكيما وعاقلا عندما خاطب العالم قائلا "إما أن تكونوا معنا أو أن تكونوا مع الإرهابيين"؟ ماذا كانت نتيجة هذا المنطق؟ هل تم القضاء على أوكار الإرهاب؟ أم تم توفير البيئة الحاضنة له؟
الظاهرة الإرهابية ظاهرة مدانة ومرفوضة ومستنكرة، سواء صدر الفعل الإرهابي، عن أفراد أو جماعات أو كيانات أو دول، وضحايا الإرهاب من المسلمين خلال السنوات التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر 2011 يفوق بكثير ضحاياه من باقي الديانات الأخرى...
لهذا، فإن العالم اليوم في حاجة ماسة لتسليط الضوء على الظاهرة الإرهابية وفق مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار كل الأبعاد الثقافية والدينية والسياسية والإستراتيجية والعسكرية والأمنية، عوض الارتهان فقط إلى الخيار العسكري والمقاربات الأمنية، التي جربت خلال العشرية الأخيرة دون أن يتوقف تمدد الإرهاب الذي أصبحت له دولة للخلافة تقارب مساحتها مساحة دول.
ما الذي نعنيه بالإرهاب؟ من هو الإرهابي؟ من هي الجهات التي تمول أنشطته الإرهابية وتوفر البيئة الحاضنة له ؟ كيف ينشأ وكيف ينمو وكيف يصل إلى النضج؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى أجوبة صريحة وإلى مقاربات بنيوية لإشكالية الإرهاب الذي استنزف العالم وروع الآمنين وخلق حالة من الهلع في نفوس ملايين البشر في كل قارات العالم..
الأحداث الإرهابية المؤلمة التي كانت فرنسا مسرحا لها خلال هذا الأسبوع، تطرح أكثر من علامة استفهام، حول أبعادها وخلفياتها والجهات الواقفة ورائها وحول اليقظة الأمنية والمخابراتية في بلد يلعب دورا محوريا في محاربة الإرهاب مند 2001، ويشارك بكل قوة في التحالف الدولي ضد "داعش" وغيرها من الجماعات المتطرفة في الشام والعراق، وله دور في مالي وفي ليبيا؟
كما أن هذه الأحداث، تشكل فرصة مواتية للدول الغربية والأوروبية وعلى رأسها فرنسا، لتسليط الضوء بعمق أكبر على إشكالية العلاقة بين حرية الرأي والتعبير وتشويه صورة الأديان وانتهاك حرمتها، في إطار مقاربة شاملة، تأخذ بعين الاعتبار الصورة النمطية التي تشكلت لدى جزء كبير من الرأي العام الأوروبي والغربي عن الإسلام والمسلمين بسبب أعمال إرهابية جبانة يراد ربطها بالإسلام والمسلمين، بدل فهمما في سياقاتها العامة والخاصة.