لحسن عدنــــــــــــــان

نحن، في كثير من بلدان عالمنا العربي، أمام نفس الثنائية الأزلية..
الحرية تلك التي نشتاق إليها ..لكنها تستعصي وتتمنــع ..
والطغيان،ذلك الغول البشع الذي نذمه سرا، لكنه في العلن، وعلى طول تاريخنا، يتغول ويُلمَّع...
فتارة يأتيك الفقهاء بمائة دليل ودليل أن الأصل هو الجبر، ولا اختيار لنا في هذه الحياة.وخاصة في الحياة السياسية. فقدر أن يتولى الحاكم الظالم المتغلب مقاليد الأمور، وقدر أن يفعل بنا ما يشاء، وقدر أن يسومنا سوء العذاب، وقدر أن يحكم بما يراه هو صالحا، لا بما تراه "الرعية" ...تلك الكتلة من البشر التي لا ملامح لها، ولا رأي، ولا إرادة..بل وصل الأمر ببعض الفقهاء أن يُنزلوا الحاكم منزلة الله سبحانه وتعالى،حين قال بعضهم يقصد الحاكم : ( لا يُسأل عما يفعل ..)
وتارة يقنعك "المفكرون" و"المثقفون" أنها فعلا صيرورة تاريخية لا مهرب منها، وكل صوت ينادي بالحرية يكون استثناء، ومجرد صدى لنفس لوامة كان الأصل فيها أن تستكين، وتساير الركب ، ولا تتجاوز الهامش المرسوم لها سلفا..
وفي أحايين أخرى، يمطرك جماعة الإعلاميين ومن يختارونهم من المحللين، بزخات متواصلة،كي تقتنع فعلا أنك هنا مسلوب الإرادة، بل ومن حسن حظك أن الطاغية الذي جاد به الزمان رضي "مُكرها" أن يحكمَكَ، ويتولى هذه المهمة الشاقة بالنيابة عن الملايين الخاملين..

وبالنتيجة،فإن الشعوب نفسها أصبحت تعتقد، إلا من رحم ربي، أن الحرية لم تُفصل أصلا على مقاسنا.وأن بيننا وبينها ،في أحسن الأحوال، سنوات ضوئية. وإلا فما الداعي أصلا لهذه الحرية، مادمنا نجد طعاما وكساء ومأوى يحمينا من الحر والزمهرير..؟

لا بد إذا من حاكم بطل، تتوفر فيه مواصفات خارقة كي يُمسك بين يديه كل السلط،ويسوق هذه الشعوب حيث يشاء بإرادة مطلقة، وحزم قوي،وفي اتجاه يختاره هو حسب ما يشاء.
لا كلمة إلا كلمته، ولا صوت يعلو فوق صوته، وكل من تحدثه نفسه بعكس هذا، فهو خائن أو مارق أو مغضوب عليه..
طبعا، فإن الطغيان الذي يبحث دائما عن مشروعية كي يصبح مقبولا نفسيا، يتلون بحسب السياقات والظروف التي تمر بها هذه الشعوب.

فهو يلبس عباءة الدين حين يكون الدين مطلبا، ويتوارى خلف ملامح الحداثة حين تكون الحداثة دينا.
وبينهما منازل، ولكل منزلة درجـــةُ وشكلُ طغيان يناسبها..

والسؤال المحير: هل فعلا نحن كعرب ، مجموعة شعوب لا تستحق الحرية، سواء في شكلها الفكري والعقدي، بمعنى أن تكون لك قناعاتك واختياراتك التي ترضاها مختارا دون جبر أو إكراه، أو في شكلها السياسي والدستوري، بحيث يكون من يحكمك بإرادتك واختيارك وكامل حريتك .فيكون لك الحق أن تنتقده وتوجهه، و الحق أن تقبل أو ترفض ما يقول .ولك الحق أن تعزله، وأن تراه بشرا ككل الخلق وليس إنسانا بمواصفات شبه إلهية إن لم تكن إلهية في نظره...إلخ.
تتوالى مشاهد التاريخ القديم ، ومشاهد تاريخنا المعاصر، ومشاهد أخرى تجري أمام أعيننا طازجة.. والقاسم المشترك بينها أن الحرية، إن لم تكن رابع المستحيلات، فهي بعينها المستحيل الأول والباقي إلى أن تُبدل السموات غير السموات، وتصبح الأرض غير هذه الأرض التي تنبت الطغيان.

والسؤال المحير : هل هو فعلا قانون أبدي سرمدي أن الحرية في حقنا حرام؟ أم هو مكر التاريخ فقط ،وإلا فالحرية: حريتنا جميعا، على مرمى البصر؟ أم هو خور في الإرادات، وعوز في البدائل ،وتقصير من هذه الشعوب المغلوبة على أمرها ؟
يقول المفكر جمال ابنا :

(أدت الفتنة الكبرى ما بين علىّ ومعاوية إلى تصدع الأصول التى قامت عليها الخلافة الراشدة، وأبرزها انتخاب الخليفة وتوليه الحكم بالشورى وحرية المعارضة، ونشأ نظام جديد هو النظام الذى يتركز فى يد واحدة، يملك كل شىء دون معارضة، وفى ظل حكم طغاة أمثال زياد والحجاج وأبى مسلم.)
ثم يضيف :
ولقد وضح لنا زياد بن أبيه ــ رجل معاوية ويزيد ــ قسمات وطرائق هذا الحكم الجبري في خطبته البتراء التي لم تبدأ ببسملة أو بحمد الله ــ وأنى لها ذلك ــ وجاء فيها:
«حرام علىَّ الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدماً وإحراقًا».

«... وإنى أقسم بالله لآخذن الولى بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصى، والصحيح منكم بالسقيم، حتى يلقى منكم الرجل أخاه، فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد».
وجاء عبدالملك جبار بنى أمية والرجل الذي قال: "من قال لي اتق الله قطعت عنقه".
ويخلص جمال البنا إلى هذه النتيجة المخيبة للآمال :

(أجمع المؤرخون على أن سوء نظام الحكم كان من أكبر أسباب تدهور الحضارة الإسلامية، ومن عجب أن هذا الحكم بدأ بداية باهرة، كما قدمه أبوبكر وعمر، لكن انزلق بسرعة إلى الملك العضوض، وظهور جبابرة كــ زياد والحجاج وأبومسلم وغيرهم، وكان يرجى من المأمون أن يكون حاكماً عادلاً يعمل للنهضة بالأمة، فيبنى المدارس والمستشفيات، ويشق الترع، ويشجع الصناعة، لكنه بسط إرهاب «خلق القرآن» الذى يمثل السفسطة الكهنوتية، وأهدر مسؤول حكمه فى هذه القضية الخاسرة).

نعم، هو التاريخ نفسه يتكرر ، تختزل الأمة أو يختزل الشعب في شخص الحاكم. وتصبح الحرية مطلبا حراما، والطغيان له كل أنواع الشرعية..

لا فرق بين الأمس واليوم في كثير من ربوع عالمنا العربي..

كان الحاكم العربي يركب الناقة،و يسكن الخيمة ،ويقطع الرؤوس المعارضة بسيفه،فيمدحه شعراء منافقون..
واليوم، يسكن الحاكم العربي القصور المكيفة،ويرسل معارضيه إلى الجحيم، فتبرر القنوات التلفزية أفعاله،وتمدح إنجازاته..
وكان فقهاء السوء يبررون الظلم والقتل بالأمس ، وهم اليوم يواصلون نفس الفعل الشنيع ..
فهل إلى الخلاص من سبيل ؟؟؟