المريزق المصطفى

بعد الحملة التضامنية مع الطالب مصطفى المزياني الذي و دع الحياة بعد إضراب عن الطعام لا محدود دام أزيد من 70 يوم، لينظاف إلى قائمة شهداء الحركة الطلابية المغربية، يستمر اليوم رفاقه من داخل سجن عين قادوس في إضراب عن الطعام قد يفضي هو الآخر إلى ما لا يحمد عقباه، في غياب تام لمؤسسات الدولة الرسمية منها و الموازية و الاستشارية.
و أمام هذا الإهمال و التقصير، نذكر مرة أخرى كل الضمائر الحية بوضعية المضربين عن الطعام من أجل التدخل العاجل لإنقاذ حياتهم قبل أن يفوت الأوان.
و كما أشرنا إلى ذلك في العديد من نداءاتنا، و دفاعا عن الحق في الحياة، لن نقبل الصمت تحت أي مبرر كان و مهما كانت طبيعة الأحداث و الوقائع، خاصة و أن العدالة لم تقل كلمتها بعد. كما أن طبيعة الحيتيات التي تلف ملف الطلبة المتهمين، لا يجب أن يطبعه الانتقام و يخضع إلى تصفية حسابات سياسوية من أي جهة كانت.
لقد عاش المئات من أبناء الشعب المغربي حالات مماثلة: اعتقالات عشوائية، ملفات مطبوخة، تهم ملفقة، راح ضحيتها تلاميذ و طلبة، عمال و فلاحين، و أطر عليا و فئات واسعة من مختلف المهن و الحرف..، من مختلف التوجهات الحزبية و النقابية و الجمعوية و الثقافية و الايديولوجية و حتى من جرفتهم الحملات العمياء..لا لشيء سوى لمحاولة إقبار أصوات الممانعة و المعارضة التي كانت تطالب بمغرب للجميع و بالحق في الثروة و الحرية و نظام وطني ديمقراطي و شعبي.
و مما لاشك فيه، إن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب نال نصيبه الأوفر من سنوات الجمر و الرصاص، باعتباره نشازا يفسد سمفونية السلم الاجتماعي الذي كان يخطط له الكبار بعيدا عن فئات الشعب المهمشة و المتواجدة في خندق الصراع من دون حماية و لا سلاح معنوي سوى الإيمان بالقضية: حق أبناء الشعب في تعليم شعبي ديمقراطي علماني عمومي و موحد.
طبعا من سوء حظ الحركة القاعدية أنها جاءت إلى الوجود في ظروف استثنائية، في محاولة لاسترجاع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لساحة الاستقلالية النضالية و الديمقراطية القاعدية. هذه الهوية القاعدية تحتاج اليوم لمساهمة كل الأطراف المعنية في تفكيك خصائصها و تقديم شهادات حية في طبيعتها، حيث لم يكن من السهل تقبلها و التقرب منها داخل الساحة.
و الحديث اليوم عن جزء من هذه الطابوهات، حديث البحث عن الحقيقة بطعم المرارة رفعا لكل لبس حول ما ألصق من تهم مجانية بالحركة القاعدية التي تعتبر اليوم، أحب من أحب و كره من كره، جزء من الذاكرة المشتركة للنضال التحرري ببلادنا.
إن وصف القاعديين بالابن العاق له تفسير و احد في نظرنا المتواضع، هو عدم قبول هؤلاء القاعديون الارتباط بالعائلة الماركسية اللينينية في حياتها التنظيمية و الارتباط بها عاطفيا فقط، نظرا للوضع الخاص التي كانت تعيشه هذه العائلة التي لم يكن ينظر إليها القاعديون كوحدة متكاملة و متماسكة فيما بينها. و لربما زاد من حدة التناقضات بينهما الموقف المرتبك للسياسات "الشيوعية" المغربية حول الصحراء الغربية و حول البحث عن تجاوز الإشكال القومي و مهمات مرحلة التحرر الوطني. و هذا من مخلفات المؤتمر الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، و هو الموضوع الذي نأمل الرجوع إليه قريبا بنوع من التفصيل.
و اذا كانت مثل هذه التيمات تحتاج اليوم إلى جهد أنثروبولوجي و سوسيولوجي نظري و فكري، خاصة و أن الحركة القاعدية جماعات من البشر، استمرت في الوجود لوقت طويل و حافظت على وجودها رغم التغيرات التي تحدث لأفرادها الذين يكونون جماعاتها، فهذا لا يمنعنا من استحضار الهم الحقوقي و الانساني الذي يخترق كل واحد منا من أجل انقاذ حياة هؤلاء الشباب المعتقلين على ذمة التحقيق.
و هنا أستحضر دائما خزينتي و دخيرتي التي تدلني على تجارب رائعة من تجارب التضامن مع المعتقلين السياسيين أيام الجمر و الرصاص الحقيقية و الفعلية، و ذلك من خلال الوثائق و المجلات و المنشورات و البيانات و رسائل الأحبة و الرفاق و الأصدقاء و العائلة (أيام السجن). منها شؤون و قضايا، و منها الرأي السديد و الفكر العميق بالدلالات و الأحداث و العاطفة و مشاعر الحنان و تطلعات جيل كامل من المناضلات و المناضلين الذين أصبحوا اليوم (تبارك الله) قياديين بارزين في العديد من الأحزاب السياسية و النقابات و جمعيات المجتمع المدني، و أطر بارزة في العديد من القطاعات الحكومية و مسؤولين كبار في الدولة، و شعراء و فنانين و صحفيين و محامون و أكاديميون و إعلاميون نراهم على شاشة التلفزيون و نسمع أصواتهم عبر الأثير و على قنوات البث المباشر. هن/هم اليوم أمهات و آباء لهم أسر ممتدة و نووية، هن/هم يتذوقن و يتذوقون طعم الحرية و ينعمون بشمس الصيف و رمال البحر، يدرسون أبناءهم في طمأنينة و أمان، يحلمون بالحداثة و الديمقراطية و بمغرب حقوق الإنسان و الدولة المدنية؛ ومنها أستحضراليوم بالخصوص شريط كاسيط مسجل يحمل اسم المحامي الفرنسي الشهير الراحل "ديديي برجيس" Berges idierD، كنت قد توصلت به في السجن تضامنا مع وضعيتي ووضعية المعتقلين السياسيين في المغرب.
و من يعرف هذا المحامي سيتذكر جيدا مشاركته في برنامج إذاعي كانت تنشطه الصحفية الشهيرة الفرنسية "بريجيت فانسون" Vincent gitteiBrعلى "راديو فرانس أنتير" و عنوانه " لنمسح كل شيء و نعيد من جديد"
. حيث كانا يخصصان (المحامي و الصحفية) في كل حلقة من "On efface tout et on recommence"
حلقات البرنامج فقرة خاصة يناشدان فيها السياح الفرنسيين بمقاطعة السياحة في المغرب، أو يدعونهم قائلين: "بعد الاستمتاع بشمس المغرب لا تترددوا في زيارة مدينة فاس و الذهاب لسجن عين قادوس حيث يقبع المريزق المصطفى و رفاقه...".
هذه الحملة الإعلامية تزامنت كذلك مع حملة تضامنية واسعة أطلقتها منظمة العفو الدولية في فروعها عبر العالم. أما في المغرب و الدول العربية، فلم يكن يعترف بنا كمعتقلين سياسيين باستثناء بعض المحامون و بعض المنظمات الحقوقية. أما الأحزاب السياسية و الإعلاميون و أغلب الصحفيون فكنا بالنسبة لهم قاعديون فوضوين، عدميون، نثير البلبلة و نخرب الجامعة و ليس إلا!
لكن دعم الحركة الطلابية و العائلات و رفاقنا في الخارج، خاصة فرنسا و هولاندا و بلجيكا و اسبانيا، جعلنا معتقلي رأي بامتياز، و تبنت قضيتنا العديد من المنظمات الدولية ذات التأثير الكبير و الصيت المنتشرغبر العالم، و أصبحنا نعيش و ضعية المعتقل السياسي، و نتمتع بحقوقنا الأساسية و الضرورية، حتى اقتربنا من وضعية معتقلي الرأي بالسجن المركزي بالقنيطرة.
عثرت كذلك اليوم على عدد خاص من نشرة " حقائق" ل"الطلبة التقدميين المغاربة، المؤرخة في مارس 1989" تحت عنوان: "القمع لا يرهبنا و القتل لا يفنينا، الاتحاد الوطني يزكي النضال فينا". تذكرت هذا الشعار المفضل الذي كان يوحد كل الفصائل التقدمية داخل الجامعة، و كان بمثابة اللازمة الموسيقية التي يعاد أداؤها بين مقطعين. فمن يتذكر اليوم هذا الشعار؟
في عدد هذه النشرة، نقرأ افتتاحية العدد التي خصصت لتغطية نضالات الحركة الطلابية و من بين ما جاء فيها: " تنطلق المعارك و التظاهرات معلنة لأعدائها و خصومها أن أ.و.ط.م. مازال حيا فينا و سيبقى كذلك، فلتطمئن الأجيال السابقة و اللاحقة على الوفاء لهذا العهد و على طريق كل شهداء الحركة الطلابية نشق من جديد مسيرة البناء، مسيرة الانطلاقة الجديدة"، كما أوردت النشرة أخبارا عن نضالات كلية العلوم بمكناس و كلية الآداب و العلوم الإنسانية بأكادير و نضالات كلية الطب و نضالات كلية تطوان و فاس ووجدة و القنيطرة و الجديدة، طوال شهر مارس 1989. كما كانت أخبار فيدرالية أوروبا الغربية حاضرة بقوة إلى جانب بيانات المعتقلين السياسيين، مجموعة 26 بالسجن المدني أغبيلة بالدار البيضاء و أخبار عن محاكمتنا بفاس. حيث كانت تعتبر فيدرالية أوروبا الغربية دعما و سندا للحركة الطلابية في الداخل و لمناضليها المعتقلين في سجون المملكة.
و في "أرشيفي القاعدي"، عثرت كذلك على رسالة "مادام دانييل ميتران" موجهة للملك الراحل الحسن الثاني تثير فيها ظروف الاعتقال بسجن عين قادوس بفاس و تطالب بإطلاق سراحنا دون قيد أو شرط. كما عثرت على العديد من رسائل الدعم و المساندة من "جمعية الدفاع عن حقوق الانسان بالمغرب" (أسدوم/فرنسا)، التي واكبت كل نضالاتنا و دافعت عن واقعنا السجني. و من بين الكتب التي عثرت عليها، "الكتاب الأبيض حول حقوق الإنسان بالمغرب" الذي يعتبر شهادة للتاريخ، ساهمت فيه عصبة حقوق الإنسان و تجمع زمن حقوق الإنسان في المغرب و المشكل من جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب و جمعية العمال المغاربة بفرنسا و الاتحاد الوطني لطلبة المغرب و لجنة مناهضة القمع بالمغرب، تحت إشراف "أنطوان سانكينيتي".
ومن هنا يحدوني أمل كبير في أن استرجاع جزء صغير من هذه الذاكرة التي أصبحت اليوم مشتركة بين العديد من الفرقاء و النشطاء و الفاعلين الحقوقيين، لمن شأنه الرفع تدريجيا من الصور النمطية و التمثلات السلبية عن الحركة القاعدية لدى العديد من المتربصين بها. طبعا قد لا نبالغ إذا قلنا بأن أغلب ما يكتب عن هذه الحركة يكتب من أجل إعدامها و تنحيتها من التاريخ و الوجود. و لقد ساهم صمت العديد من أطرها "التاريخيين" في هذا الوضع، علما أن الانتماء إليها شرف و ليس عار!
على أن ضعف الوعي في كثير من الأحيان لا يسمح بنعت القاعديين ب "الابن العاق" لأنهم رفضوا ذات يوم الارتباط بتنظيم ما أو بوجهة نظر ما أتت من خارج الحركة الطلابية حتى يتم نعتهم بمثل هذه النعوتات التي ساهمت هي الأخرىفي عزلتهم.
فكل من مر من هناك عليه أن لا ينسى اليوم أن في سجون المملكة حاليا العديد من الطلبة المنتمون إلى الحركة القاعدية، منهم من يقضي عقوبة سجنية نافذة بعد حكم قضائي، و منهم من يوجد في السجن على ذمة التحقيق، و الكثير منهم في إضرابات مستمرة عن الطعام، ما يجب الإسراع بالمطالبة بالإفراج عنهم و تحسين أوضاع اعتقالهم و تمكنهم من حقوقهم الأساسية، كالحق في الزيارة و متابعة الدراسة و التطبيب و النظافة.
علينا أن لا ننسى كذلك ما قدم لنا من دعم و مساندة من طرف العديد من المناضلين الإنسانيين و الحقوقيين و منظمات حقوقية أيام اعتقالنا. و لأن الظرفية الحالية أكثر تعقيدا من ما سبق، و لأن كل واحد منا يوجد بداخله ذلك الإحساس الإنساني بالآخر، نجدد صيحتنا الأولى من أجل إنقاذ حياة المضربين عن الطعام و المطالبة بحوار و طني حول الجامعة المغربية لإخراجها من واقع العنف و التردي.
و أخيرا، على كل من يتهم الحركة القاعدية ب"الابن العاق" أن يتصالح معها، من أجل استتباب الثقة و تشجيعها على المساهمة في الحفاظ على الأمن و طمأنينة الحركة الطلابية جنبا إلى جنب كل الفصائل التقدمية و الديمقراطية و الحداثية، و استرجاع دور الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في الجامعة و في الساحة النقابية و الثقافية المغربية، خدمة للأجيال القادمة..خدمة